رَجْعُ صَدَى الذَّاكِرَة ….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

يَأخُذُني إلى الطُّرُقِ البَعِيدَةِ،
وأيّامٍ مَضَتْ،
أرانِي صَخَبًا وفَوضى مَشاعِر؛
لَيْلٌ ونَهارٌ، ورَبِيعٌ وخَرِيفٌ،
يَتَقاتَلانِ على قَيءِ الوُجُوه.
أَسِيرُ معه كَطِفْلٍ خائِفٍ
يُمْسِكُ يَدَ أُمِّهِ.
والطُّرُقُ القَدِيمَةُ مُوحِشَةٌ،
تَمْلَؤُها ظِلالُ الرّاحِلِين.
لا أَدْرِي:
مَن كان الغَرِيبَ فِينَا؟
أَنا، أَمْ تِلْكَ الوُجُوه؟
يا وَيْلَتِي،
مَدافِنُ السُّؤالِ تَعْلُو رَأْسِي،
تَحْتَضِنُ جَنائِزَ الخَوْفِ
وتَوابِيتَ الانْتِظار.
ومَشَيْتُ في طَرِيقِي،
يَلْفِظُنِي الغُرُوبُ،
وتَتَقاذَفُنِي أَصْواتُ بُكاءِ ثَكَالَى بِلا دُمُوع،
وطُيُورٌ تَقُصُّ أَجْنِحَتَها الأَقْفاصُ،
وأَشْجارٌ تَلْدَغُها عَقارِبُ،
وتَنْخُرُها دِيدانٌ،
وحُلْمُ العابِرِينَ يَرْقُصُ
على إِيقاعِ بُطُونٍ خاوِيَة.
ومَشَيْتُ خَلْفَ عُراةٍ
بِلا سَراوِيلَ ولا جَلابِيبَ،
تَبْتاعُ رَغِيفَ الخُبْزِ بِدَمْعَةٍ،
وتَبِيعُ الفَوانِيسَ العَتِيقَةَ
بِحَفْنَةِ حِنْطَةٍ،
وصِغارٌ بِلا مَأْوًى
يَتَوَسَّدُونَ الطُّرُقاتِ،
يَلْعَبُونَ بِشَظايا خَراطيشِ الرَّصاص.
ومَشَيْتُ في ظِلِّ الجُدْرانِ،
تَنْهَشُنِي الحِرْذانُ،
أَبْحَثُ عن بَيْتٍ
كُنْتُ أَعْرِفُهُ تَمامًا،
فَنَسِيتُ.
لَمْ تَسْأَلْنِي البُيُوتُ:
مَنْ أَنْتَ؟ ومِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ؟
سِوَى بابٍ مُوصَدٍ
كان يَرْمُقُنِي بِصَمْت.
فَدَنَوْتُ مِنْهُ بِحَذَرٍ
عَسَى أَنْ أَعْرِفَهُ،
فَهَمَسَ بِصَوْتٍ حَزِينٍ،
كَأَنَّهُ يَعْرِفُنِي:
ها أَنْتَ…
وقد عُدْتَ الآن.
لَمْ أَعْبَأْ بِهِ،
فَسِرْتُ أَبْحَثُ عن بابٍ آخَر
لا أَعْرِفُهُ،
ومَشَيْتُ.

اترك رد