إسرائيل ومشروع إخضاع الشرق الأوسط : قراءة في القوة والهيمنة وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية

منبر العراق الحر :

منذ نشأة إسرائيل، لم تكن علاقتها بالشرق الأوسط علاقة دولة تبحث عن اندماج طبيعي في محيطها الجغرافي، بل علاقة مشروع يسعى إلى فرض نفسه بالقوة، وتطويع الإقليم وفق معادلات أمنية وسياسية تخدم تفوقه وبقاءه ومع مرور العقود تحوّل هذا المشروع من مجرد هواجس أمنية معلنة إلى منظومة نفوذ متكاملة، تستخدم فيها إسرائيل أدوات عسكرية وسياسية واقتصادية وإعلامية وتسندها شبكة تحالفات دولية، في محاولة لإخضاع الشرق الأوسط أو على الأقل تفكيكه ومنع تشكّل أي قوة إقليمية قادرة على موازنة نفوذها.

إن الحديث عن “إخضاع الشرق الأوسط” لا يعني بالضرورة احتلالًا عسكريًا مباشرًا لكل دوله، بل يعني السيطرة على قراراته المصيرية، وتوجيه صراعاته، وإبقائه في حالة إنهاك دائم فالدولة التي تعيش وسط محيط مضطرب، وتتفوق عليه عسكريًا وتقنيًا، تجد في الفوضى الإقليمية بيئة مثالية لترسيخ تفوقها، وتحويل أمنها إلى أولوية دولية، بينما تتحول قضايا شعوب المنطقة إلى ملفات ثانوية أو مؤجلة.

لقد اعتمدت إسرائيل، منذ بداياتها على منطق القوة بوصفه اللغة الوحيدة التي تفهمها المنطقة، بحسب سرديتها الخاصة وهذا المنطق تُرجم إلى حروب متتالية واحتلال أراضٍ، وفرض وقائع جديدة على الأرض، لا سيما في فلسطين حيث تحوّل الاحتلال إلى نظام متكامل لإدارة القمع وتفكيك المجتمع، وإعادة هندسة المكان والإنسان ولكن المشروع لم يتوقف عند فلسطين، بل تجاوزها إلى محيطها العربي عبر ضرب أي دولة تحاول بناء قوة عسكرية أو علمية يمكن أن تشكّل تهديدًا مستقبليًا.

في هذا السياق، يمكن فهم الاستهداف المتكرر للبنى التحتية، والعقول العلمية ومراكز البحث، سواء بالقصف المباشر أو عبر عمليات استخبارية معقدة. فإسرائيل لا تخشى الجيوش التقليدية فقط، بل تخشى قبل ذلك فكرة النهوض الحضاري والعلمي في الشرق الأوسط. دولة قوية علميًا واقتصاديًا هي بالضرورة دولة مستقلة القرار، وهذا يتناقض جذريًا مع مشروع الهيمنة.

إلى جانب القوة العسكرية، أتقنت إسرائيل استخدام السياسة بوصفها سلاحًا ناعمًا لا يقل فتكًا فقد عملت على اختراق النظام الإقليمي عبر اتفاقيات تطبيع، لا تقوم في جوهرها على السلام العادل بل على إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يتحول الصراع من صراع مع الاحتلال إلى صراعات داخلية أو إقليمية بين دول المنطقة نفسها وبهذا تُعزل القضية الفلسطينية، وتُفرغ من بعدها المركزي، وتُقدَّم كملف إنساني أو أمني، لا كقضية تحرر وطني.

كما لعبت إسرائيل دورًا بارزًا في تسويق نفسها لدى الغرب باعتبارها “واحة ديمقراطية” في محيط مضطرب، مستغلة أخطاء الأنظمة العربية والاستبداد والانقسامات الطائفية. هذا الخطاب رغم تناقضه الصارخ مع واقع الاحتلال والانتهاكات اليومية، نجح في توفير غطاء سياسي وأخلاقي لسياسات القمع، بل وحوّل إسرائيل إلى شريك أساسي في “إدارة أزمات” الشرق الأوسط، لا في حلها.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي والتقني في هذا المشروع فإسرائيل تسعى إلى أن تكون مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا والأمن السيبراني والمياه والطاقة، بحيث تصبح دول المنطقة، طوعًا أو كرهًا، مرتبطة بها عبر حاجات حيوية وهذه التبعية الناعمة أخطر من الاحتلال العسكري، لأنها تُنتج خضوعًا بلا دبابات، وتُقيّد القرار السياسي عبر المصالح الاقتصادية.

إن أخطر ما في مشروع إخضاع الشرق الأوسط ليس فقط ما تفعله إسرائيل بل ما تسمح به حالة التفكك العربي والانقسام الإقليمي فغياب مشروع عربي جامع وضعف الإرادة السياسية وتحويل الصراعات إلى حروب بالوكالة كلها عوامل تصب في مصلحة إسرائيل وتمنحها هامشًا واسعًا للمناورة والتوسع فالدولة التي تواجه محيطًا متماسكًا تختلف جذريًا عن دولة تواجه فسيفساء من النزاعات والخصومات.

ومع ذلك، فإن إخضاع الشرق الأوسط ليس قدرًا محتومًا فالتاريخ يثبت أن المشاريع القائمة على القوة وحدها، مهما طال عمرها تظل هشّة أمام إرادة الشعوب والوعي وبناء الدولة الوطنية القادرة واستعادة مركزية القضية الفلسطينية بوصفها معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا كلها عناصر قادرة على كسر معادلة التفوق المفروض وإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة إسرائيل، بل في مواجهة أسباب الضعف الداخلي التي جعلت مشروع الهيمنة ممكنًا ومغريًا.

في النهاية، يمكن القول إن إسرائيل تسعى إلى شرق أوسط مُعاد تشكيله على مقاس أمنها ومصالحها، شرق أوسط بلا ذاكرة جماعية، ولا مشروع نهضوي، ولا قدرة على الاعتراض الفعلي لكن هذا السعي، مهما بدا متقدمًا اليوم، يظل مرتبطًا بظروف تاريخية قابلة للتغير فالجغرافيا لا تُخضع إلى الأبد والشعوب التي تُهزم سياسيًا قد تستعيد قوتها حين تدرك أن الصراع ليس مجرد حدود، بل صراع على المعنى والكرامة والمستقبل.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد