إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان “من تراتيل العارفين” للشاعرة رانية مرجية… بقلم: د. عادل جوده

منبر العراق الحر :

في زمنٍ عزّت فيه الكلمة الصادقة، وانحسرت ملامح الهوية خلف ضجيج الشعارات، تطلّ علينا الشاعرة رانية مرجية بديوانها الباذخ “من تراتيل العارفين”، الصادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر (طبعة أولى، 2025). هذا الديوان ليس مجرد تجميع لـ 157 قصيدة موزعة على 161 صفحة، بل هو “وثيقة وجدانية” وحجر زاوية وضعته الشاعرة على صدر الزمن، ليكون شاهدًا على بقاء الذاكرة وعنفوان الروح الفلسطينية.
الوجع الذي استحال نورًا
تبدأ الرحلة من المقدمة التي تفيض بعطر الأرض ومرارة الفقد؛ تصف الشاعرة ديوانها بأنه “صوت امرأة تمشي حافية بين الأنقاض”، وهي صورة سريالية تعكس واقع الذات الشاعرة التي لم تنفصل يومًا عن ألم الجماعة. إنها تراتيل لا تُغنى في المحاريب المغلقة، بل تُولد من صمت الحنين وقوة الصمود.
في الإهداء، نلمس صدقًا يلامس شغاف القلب، حيث تهدي رانية مرجية عملها للأوفياء الذين يحملون “الهمّ الفلسطيني في قلوبهم لا في شعاراتهم”. يبرز الوفاء للأم التي غرست حب الأرض، وللأب الصامت كأرض الزيتون، وللجدة التي مشت على شوك المنفى. هذا الإهداء يرسخ جذور الديوان في تربة الهوية، ويجعل من القصيدة “وطنًا” ومن الكلمة “فعل مقاومة”.
قراءة في النماذج الشعرية: اللغة والرمز
تتجلى عبقرية الشاعرة في قصيدة “يا قديسة”، حيث تمارس نوعًا من “أنسنة” القداسة وربطها باليومي والمعاش. الشاعرة هنا لا تبحث عن القداسة في أيقونات الكنائس، بل تجدها في “ابتسامة أمٍّ تداري جوع أولادها بالحنان”. إنها تعيد صياغة مفهوم الخلاص عبر القراءة والكتب، معتبرة أن الكلمات هي النجاة الوحيدة من غرق الوجود.
أما في قصيدتها “محاولة”، فنحن أمام بوحٍ تراجيدي شفيف. الصراع بين “محاولة التذكر” و”محاولة التماسك” يخلق حالة من التهشّم الداخلي. لكن هذا الانكسار لا يؤدي إلى الاستسلام، بل إلى موقف أخلاقي حازم: “سأنسى… لكني لن أغفر”. هذه العبارة هي ذروة الديوان، حيث تتحول الذاكرة إلى درع، ويتحول النسيان إلى أداة لتنقية الروح من “ضحكاتهم المسمومة”، مع التمسك بالحق الذي لا يسقط بالتقادم.
تنتقل الشاعرة في نصوص أخرى إلى آفاق صوفية حداثية، حيث تتداخل جزيئات الضوء مع مسام الجلد، في محاولة لتطهير الشرايين من “ارتباك الدم” وفكّ “زلّات الشك”. إنها تؤمن بأن البيت المتهالك لا يلد حياة، وأن الحرية تبدأ من ترميم الذات أولًا.
تحية للناشر: سهيل عيساوي.. حارس الحكاية
لا يمكننا قراءة هذا الجمال دون الإشادة بالدور الحضاري الذي تقوم به دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر في كفر مندا. إن احتضان هذا العمل الضخم وتصديره للنور في عام 2025 يعكس رؤية ثقافية عميقة تدرك أهمية “صيانة الحكاية في زمن التزييف”.
لقد نجح الناشر الأستاذ سهيل عيساوي في تقديم عمل يليق بمكانة الشاعرة وبقدسية التراتيل التي يضمها الكتاب. إن اختيار الورق، والتنسيق، والحرص على إيصال هذا الصوت الفلسطيني الأصيل من قلب الداخل إلى العالم، هو بحد ذاته فعل إبداعي يوازي فعل الكتابة. فالدور التي تنتصر للقصيدة في زمن الانكسار هي حصون ثقافية تحمي هويتنا من التآكل.
الخاتمة: القصيدة التي لا تنحني
“من تراتيل العارفين” هو ديوان اليقظة. هو دعوة لأن لا يكتفي الإنسان بالبكاء على الأطلال، بل أن يحوّل هذا البكاء إلى وعيٍ وفعل. رانية مرجية في هذا العمل أثبتت أن “القصيدة لا تنتهي، ولا تنحني، ما دام في الرمل حنين، وفي الريح همس الراحلين”.
إنه عمل أدبي شامخ، يمزج بين رقة الأنثى وعنفوان الأرض، وبين قداسة الترتيلة وواقعية الوجع، ليبقى “حجرًا صغيرًا وضعته الشاعرة على صدر الزمن كي لا ينسى”.

اترك رد