*جرينلاند بين الهيمنة الأمريكية وهواجس أوروبا* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، أعادت التقارير الإعلامية الأخيرة حول توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادة الجيش بإعداد تصوّر للسيطرة على جزيرة جرينلاند فتح النقاش حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الحلفاء قبل الخصوم. ورغم أن هذا التوجيه لا يرقى بالضرورة إلى قرار عسكري مباشر، إلا أنه يعكس تحولاً لافتاً في أدوات النفوذ الأمريكية، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الضغط النفسي والسياسي في إدارة العلاقات الدولية. فبدل الاعتماد الحصري على الدبلوماسية التقليدية وآليات التوافق داخل حلف شمال الأطلسي، باتت واشنطن تميل إلى توظيف خطاب القوة والتهديد الضمني لإعادة تشكيل موازين النفوذ بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وتكتسب قضية جرينلاند أهمية خاصة لكونها تقع في قلب التنافس الجيوسياسي المتصاعد في منطقة القطب الشمالي، بما تحمله من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي حساس في معادلات الأمن والطاقة والتجارة العالمية. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة التصريحات الأمريكية بمعزل عن سياق أوسع يتصل بإعادة تعريف مفهوم التحالفات، وتحويلها من أطر تشاركية إلى أدوات تخدم الهيمنة الأحادية. كما تثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مستقبل الناتو، وحدود التزام الولايات المتحدة بقواعد العمل الجماعي، ومدى استعداد أوروبا للتعامل مع واقع دولي يتجه نحو تغليب منطق القوة على منطق الشراكة.
*لماذا جرينلاند؟*
جرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، وتتمتع بثلاثة عناصر تجعلها كنزاً استراتيجياً نادراً:
1. الموقع الجيوسياسي: تقع في قلب القطب الشمالي، وتشكل *العين الشمالية* للولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين. منها تُرصد التحركات الصاروخية، وتُراقب الممرات القطبية الجديدة التي فتحها ذوبان الجليد. ومع هذا التحوّل المناخي، انفتحت طرق بحرية تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا، ما يمنح الجهة المسيطرة عليها نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً بالغ الأهمية.
2. الأهمية العسكرية: تضم قاعدة *بيتوفيك* الفضائية الأمريكية، إحدى أهم قواعد الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي في العالم، وتُعد جزءاً من منظومة *القبة الذهبية* التي يروج لها ترامب.
3. الثروات الطبيعية: تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة Neodymium) النيوديميوم) و Praseodymium) البراسيوديميوم) الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية، إضافة إلى تقديرات بوجود نحو 31 مليار برميل نفط وموارد غازية هائلة، لم تُستغل بعد بسبب الكلفة والبيئة القاسية.
هذه العوامل مجتمعة تجعل من جرينلاند أكثر من مجرد جزيرة نائية، بل بوابة القرن القطبي الجديد، ومن هنا تنظر واشنطن إلى السيطرة المباشرة عليها باعتبارها مفتاحاً لتفوق استراتيجي طويل الأمد في صراع القوى الكبرى..
*من الشراكة إلى منطق السيطرة*
اللافت أن الولايات المتحدة لا تحتاج فعليًا إلى ضم جرينلاند كي تضمن مصالحها الأمنية. فهي تملك قواعد عسكرية، واتفاقيات دفاعية مع الدنمارك، وحرية حركة واسعة في الجزيرة منذ الحرب العالمية الثانية. لكن ترامب لا يريد *حق الاستخدام*، بل يريد *حق الملكية*
هو يؤمن بأن المستأجر لا يدافع كالمالك، وأن السيادة هي التي تبرر التضحية العسكرية الكاملة. خلف هذا المنطق تكمن فلسفة سياسية أوسع، تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، حيث لروسيا أوكرانيا، وللصين بحرها الجنوبي، ولأمريكا قارتها الكاملة… من فنزويلا إلى كندا إلى جرينلاند.
*إنها عودة صريحة إلى الجغرافيا الإمبريالية، لكن بلباس القرن الحادي والعشرين*.
*أوروبا في مأزق تاريخي*
بالنسبة لأوروبا، لا تمثل قضية جرينلاند مجرد خلاف مع واشنطن، بل اختباراً وجودياً لمعنى السيادة والتحالف. الدنمارك الدولة المسؤولة عن دفاع الجزيرة، أعلنت بوضوح رفضها لأي محاولة أمريكية للسيطرة عليها، وحذّرت من أن أي عمل عسكري سيقوض أسس النظام الأمني العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. كما سارعت فرنسا وألمانيا والنرويج والسويد إلى إرسال قوات رمزية إلى جرينلاند، في رسالة سياسية مفادها، *هذه أرض أوروبية، ولسنا بلا حماية*
لكن الحقيقة القاسية أن فرنسا أرسلت نحو 15 جندياً، وألمانيا أرسلت 13 جندياً، وبريطانيا ضابطاً واحداً. هذه ليست قوات ردع، بل إشارات دبلوماسية.
*هل تستطيع أوروبا ردع ترامب؟*
الواقع العسكري يقول، أن القدرات الأوروبية في القطب الشمالي محدودة للغاية، سواء من حيث العتاد، أو الجاهزية، أو حتى الملابس المناسبة للبيئة القطبية القاسية. بينما القوات الدنماركية وحدها المتخصصة تستطيع العمل طويلاً هناك، بينما يعتمد الأوروبيون في الأساس على المظلة الأمريكية نفسها. وهنا المفارقة الكبرى، أوروبا تحاول حماية جرينلاند من أمريكا… باستخدام منظومة أمنية تقودها أمريكا. إذن، ماهي الخيارات الأوروبية، بين الردع والاحتواء؟
أمام أوروبا ثلاثة مسارات ممكنة:
1- الردع الرمزي: وهو الاستمرار في نشر قوات محدودة، وإطلاق تصريحات سيادية، دون مواجهة مباشرة مع واشنطن. هذا المسار يحفظ الكرامة السياسية، لكنه لا يغير ميزان القوة.
2- الاحتواء السياسي: تقديم تنازلات لترامب عبر زيادة الإنفاق العسكري في جرينلاند، وتوسيع القواعد الأمريكية، ومنح واشنطن امتيازات اقتصادية مقابل الحفاظ على السيادة الشكلية للدنمارك. وهذا هو المسار الأكثر ترجيحاً.
3- الاستقلال الاستراتيجي: بناء قوة دفاع أوروبية حقيقية مستقلة عن الناتو.
لكن هذا الخيار يحتاج سنوات، وإجماعاً سياسياً، وميزانيات ضخمة، وهو غير متاح في المدى القريب.
*هل يتفكك الناتو؟*
الناتو لم يُبنَ كتحالف متكافئ، بل كمنظومة حماية أمريكية لأوروبا. ومع ترامب، يتحول من تحالف قيم إلى صفقة مصالح. إذا مضت واشنطن في فرض إرادتها على دولة عضو في الناتو (الدنمارك)، فإن ذلك يخلق سابقة خطيرة: حيث تصبح السيادة قابلة للتفاوض، والتحالف يصبح أداة ضغط لا مظلة حماية، والقانون الدولي يتحول إلى تفصيل ثانوي. وبهذه الحالة الناتو قد لا يتفكك رسمياً، لكنه سيتحول إلى تحالف بلا روح.
ولكن أخطر ما تخشاه أوروبا هو سيناريو شبيه بضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.
عملية سريعة، ضغط سياسي، إغراءات مالية لسكان الجزيرة (الذين لا يتجاوز عددهم 57 ألفاً)، ثم فرض أمر واقع. ورغم أن المجتمع الجرينلاندي يميل ثقافياً إلى النموذج الاسكندنافي البيئي ويرفض الالتحاق بأمريكا، إلا أن صغر العدد وسعة الجغرافيا يجعلان المعادلة هشّة.

اترك رد