منبر العراق الحر :
في الأشرفية والشيخ مقصود، لم تكن الحكاية مجرد سيطرة عسكرية على حيّين في مدينة أنهكتها الحرب، بل كانت اختبارًا قاسيًا لمعنى السلطة حين تنفصل عن المجتمع، ولمفهوم “الإدارة” حين يتحول من وعدٍ بالحماية إلى عبء يومي ثقيل وما فعلته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في هذين الحيين لا يمكن قراءته كحادثة عابرة أو كإجراءات أمنية مؤقتة بل كمسار متكامل ترك أثره العميق في حياة الناس وفي صورة القوة حين تُمارَس بلا مساءلة وبلا شراكة حقيقية مع المجتمع.
الأشرفية والشيخ مقصود حيان مكتظان يحملان تاريخًا اجتماعيًا معقدًا وتداخلًا قوميًّا ومعيشيًّا حساسًا لا يحتمل منطق الغلبة ولا لغة الأمر الواقع. ومع ذلك، فُرضت عليهما معادلة أمنية صارمة جرى فيها التعامل مع السكان بوصفهم مساحة يجب ضبطها لا مجتمعًا يجب خدمته وتحولت الحواجز إلى جدران غير مرئية، والمرور اليومي إلى اختبار ولاء، والحركة الطبيعية إلى امتياز مشروط. لم يعد الوصول إلى العمل أو إدخال حاجات البيت أو نقل مريض أمرًا بديهيًا، بل مسألة تفاوض دائم مع السلطة.
ومع الوقت، لم تعد هذه الإجراءات استثناءً فرضته ظروف الحرب بل صارت نمطًا ثابتًا لإدارة الحياة وتوسعت صلاحيات الأمن على حساب الحقوق، وغابت الشفافية لصالح قرارات فوقية لا تُشرح ولا تُناقش ومع كل إجراء جديد كان يتآكل شيء من الثقة وتزداد المسافة بين الناس والجهة المسيطرة حتى صار الخوف جزءًا من الروتين اليومي.
سياسة التجنيد الإجباري شكّلت أحد أكثر الجوانب قسوة وتأثيرًا ولم يُنظر إليها كواجب عام يخضع له الجميع بمعايير واضحة بل كأداة ضغط تطال الشباب دون مراعاة لظروفهم الاجتماعية والاقتصادية وتحولت البيوت إلى أماكن قلق دائم وازدادت حالات الاختباء والهجرة الصامتة ما خلّف فراغًا إنسانيًا ونفسيًا لا يُعوَّض بسهولة. فحين يُؤخذ الشاب من حياته بالقسر، لا يُنتزع جسده فقط بل تُكسر فكرة الانتماء ذاتها.
اقتصاديًا، عاش الحيّان تحت ما يشبه الحصار غير المعلن والتحكم بإدخال المواد وفرض الأعباء غير المباشرة، والتضييق على مصادر الرزق، جعل الفقر أكثر حدّة وحوّل الحاجة اليومية إلى أداة إخضاع ولم تُقابَل هذه الضغوط ببناء مؤسسات خدمية حقيقية أو بسياسات تخفف عن الناس، بل جرى الاكتفاء بتسويق “الاستقرار الأمني” كإنجاز، في وقت كان فيه الاستقرار يعني تجميد الحياة عند حدها الأدنى.
أما الأثر الاجتماعي، فكان الأعمق والأخطر. حين تُدار الأحياء بمنطق الشك الدائم، وحين يُصنَّف الناس وفق ولاءات مفترضة تتآكل الروابط وتُزرع الريبة بين الجيران ويصير الصمت لغة النجاة الوحيدة ولم تكن الأشرفية والشيخ مقصود ساحتي قتال مفتوح لكنهما تحولا إلى فضاءين مثقلين بالخوف الصامت، حيث تُحسب الكلمات ويُؤجَّل الاعتراض وتُدفن الأسئلة قبل أن تولد.
سياسيًا، قدّمت قسد نفسها بوصفها نموذجًا مختلفًا، بديلًا عن أنماط القمع التقليدية لكن تجربة هذين الحيين كشفت فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة فلا معنى للحديث عن “إدارة ذاتية” بينما القرار مركزي والمجتمع خارج دائرة التأثير والسلاح هو المرجع الأعلى والشرعية لا تُنتَزع بالقوة ولا تُبنى بالحواجز بل تُكتسب بالقبول، والقبول لا يولد من الخوف.
وفي النهاية لا يمكن اختزال ما جرى في الأشرفية والشيخ مقصود في توصيف سريع أو اتهام عابر، لأن ما حدث هناك تجربة حكم كاملة كُتبت على تفاصيل الحياة اليومية للناس. إنها قصة حيّين وُضعا في اختبار قاسٍ : هل تستطيع القوة المسلحة أن تتحول إلى سلطة عادلة ؟ وهل تكفي الشعارات الكبيرة لتبرير معاناة صغيرة لكنها متكررة يومية، ومستمرة؟
لقد أثبتت هذه التجربة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الرصاصة، بل في القرار غير المبرر، وفي الإجراء الذي يُفرض دون تفسير، وفي الخوف الذي يتسلل ببطء حتى يصبح جزءًا من الهواء وحين يُدار المجتمع كملف أمني يتحول الناس إلى كتلة صامتة لا تثق ولا تشارك، وهذا أخطر من أي صراع مسلح.
الأشرفية والشيخ مقصود لم ترفضا الأمن ولا التنظيم، بل رفضتا أن يُختزل وجودهما في معادلات السيطرة. فالناس لا تعادي من يحميها فعلًا، لكنها تنكسر أمام من يدّعي الحماية وهو يمارس الإخضاع والسلطة التي لا تراجع نفسها، ولا تصغي لنبض الشارع تتحول من مشروع إلى عبء، ومن وعد إلى خيبة.
وإذا كان لأي تجربة حكم أن تُقاس، فإن معيارها الحقيقي ليس في البيانات ولا في الخطابات، بل في الأزقة الضيقة وفي وجوه الأمهات، وفي خوف الشباب، وفي قدرة السلطة على تحويل القوة إلى مسؤولية، والسيطرة إلى خدمة، والسلاح إلى عدالة. فالتاريخ لا يكتب ما قيل، بل ما عاناه الناس بسببه.
ستبقى الأشرفية والشيخ مقصود شاهدتين على حقيقة لا يمكن تجاوزها : من لا يحكم بالعدالة، سيُذكر بالمعاناة التي خلّفها لا بالشعارات التي رفعها. وسيبقى السؤال مفتوحًا ثقيلًا ولا مهرب منه : هل كانت هذه الأحياء مساحة لإدارة الإنسان أم ساحة لإرهاقه؟ والجواب، مهما طال الزمن سيكتبه أهلها وحدهم، بذاكرتهم، وبما تبقى فيهم من قدرة على التمييز بين من حكمهم ومن خدمهم حقًا.
د.رافد حميد فرج القاضي
صفحة
منبر العراق الحر منبر العراق الحر