منبر العراق الحر :
الدين في واقعي قائم على الإيمان، وهو التصديق بشيء دون وجود أدلة عليه في الواقع المادي، وهذا هو الإيمان، وهو موقف عائد للإنسان. لكن بعد أن يتحول الدين من منظومة لاهوتية أخلاقية إلى مجرد طقوس فارغة، هنا تقع المشكلة. فالدين سيتحول من كونه دينًا إلى أيديولوجية كاملة ترفض كل ما هو خارجها، وإن خالف هذا ما ينص عليه الدين نفسه. لكن هنا الدين لم يعد حاجة إنسانية، بل غاية مطلقة يخضع لها الكل، حتى الإله الذي يُفترض أنه يُعبد داخل الدين، لأن الدين فقد معناه الأساسي.
فعندما يتحول الدين إلى منظومة أيديولوجية، سيكون أداة رفض لكل شيء، أداة قادرة على تحطيمه وفعل كل شيء، وكل هذا سيكون مبررًا دينيًا بالنسبة للمعتقدين بهذه الأيديولوجية. فيتحول كل معنى حقيقي عند الإنسان إلى أداة تدعم اعتقادًا واحدًا، وهو الوحيد المبرر، وهو الوحيد الذي على حق، وهو الوحيد الذي لا يمكن لك أن تحيد عنه وتذهب للضد منه. وهذا الأساس في تحوله إلى منظومة مغلقة. فهذه الصفة الأولى، وهي اعتقاده بأنه الوحيد الذي على حق، والصفة الثانية هي تسييس كل مقدس في أمور لم يتحدث عنها أبدًا لأجل دعم الصفة الأولى. هنا يصبح السؤال جريمة، ويصبح الدين غير قادر على تحليل نفسه.
هنا وجب علينا النظر إلى النظير لهذا الدين، وهو الإلحاد الأيديولوجي. هنا الإلحاد الذي يُصنَّف أنه ضد الإيمان الغيبي يصبح بذاته إيمانًا، فهو تحول من إجابة لسؤال: هل هناك خالق للكون؟ إلى ضد لكل ما هو متدين، كان مسالمًا أو محاربًا. هنا تختفي الفوارق بين الدين والإلحاد من ناحية الإيمان، فيصبح كلاهما إيمانًا يحملان نفس الطرق ونفس المنظومة، لكن لدعم أفكار مختلفة.
فالدين الأيديولوجي لم يخض يومًا النقاش مع الإلحاد بكونه موقفًا فلسفيًا ومعرفيًا، موقفًا عقليًا وصل له شخص بعد تفكير، بل ينظر له كهُراء، ويناقش أكثر تجليات الإلحاد سطحية، مدعيًا أنه انتصر. وكذلك مع الإلحاد الأيديولوجي، فهو لم يناقش أيضًا الدين بوصفه منظومة متكاملة لها هدف، بل ينظر لها كاعتقاد سطحي إيماني، متجاوزًا أنه بهذه الطريقة لا يتجاوز كونه موقفًا يقع بنفس الخط الفكري مع التدين السطحي الأيديولوجي.
نجد الإلحاد الأيديولوجي عند راديكاليي الثورة الفرنسية، الذين نظروا لكل ما هو متدين على أنه عدو يجب محوه، وتم ارتكاب جرائم عظيمة على هذا الأساس، وهو ما لا يمكن تبريره أبدًا بأي طريقة كانت. وبنفس الطريقة يمكننا رؤية التدين الأيديولوجي في أحد أفلام عادل إمام، وهو فيلم “الإرهابي”، حيث نجد بطل الفيلم علي منتميًا لإحدى المنظمات الإرهابية التي تعمل على السيطرة على الدولة المصرية وتحقيق الخسائر لها. وبسبب حادث تعرض له علي، سكن بشخصية أستاذ بالفلسفة سرق سيارته سابقًا، في منزل العائلة التي أصابت ابنتهم أثناء الحادث لتعتني بهذه العائلة، وليسكن معهم فترة.
كانت هذه العائلة مختلفة عنه تمامًا، فلم يجد أي نوع من التدين الذي آمن به، لنراه ضدهم في كل شيء بالخفاء، وينظر لهم باحتقار لا يوصف. لكنه مع الوقت بدأ يرى الفرق بين دين هذه العائلة المسالم، الذي لا يعتدي على الإنسان، وبين دينه الذي يتبع لدول خارجية تدفع لهم المال لدعم عملياتهم في مصر بحجة الدين، حتى غير موقفه وفكر، واختار الموقف السليم الذي وصل إليه بعد تفكير، ليموت في نهاية الفيلم على أيدي نفس الأشخاص الذين أفنى حياته بالدفاع عن فكرهم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر