غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم … بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ليست كل الحروب صاخبة بالقدر ذاته، لكن أخطرها تلك التي تُدار ببرود أعصاب. وما نعيشه اليوم ليس مواجهة منفصلة يمكن عزلها في عنوان عريض، بل لحظة إقليمية تتقاطع فيها الجبهات، وتُعاد فيها كتابة قواعد الاشتباك تحت ضغط النار والوقت معًا.

 

غزة: اختبار البقاء لا اختبار القوة

في غزة، لم تعد المسألة من يطلق النار أكثر، بل من يستطيع أن يصمد أطول.

حين تُغلق المعابر، لا يُغلق معبر جغرافي فحسب، بل يُضيّق هامش الحياة اليومية: الخبز، الدواء، الماء، والكهرباء. وحين تتراجع الإمدادات، لا يتبدل رقم في تقرير، بل تتبدل قدرة مجتمع كامل على الاحتمال.

 

الضغط الإنساني بات جزءًا من أدوات الصراع. الندرة تتحول إلى لغة سياسية، والحصار يصبح ورقة تفاوض. غير أن هذا المسار محفوف بمخاطر تتجاوز حدود القطاع؛ فالمجتمعات لا تُدار بمنطق الاختناق الدائم، وأي اختلال طويل قد يرتدّ على الجميع.

 

الأخطر من الدمار المادي هو الفراغ السياسي. سؤال “اليوم التالي” ما يزال معلقًا: من يدير؟ بأي شرعية؟ وبأي مشروع وطني جامع؟ استمرار الانقسام الفلسطيني يضاعف هشاشة اللحظة، ويجعل القرار الفلسطيني أقل حضورًا في رسم ملامح المرحلة. وغزة، في قلب هذه العاصفة، ليست هامشًا في صراع أكبر، بل نقطة ارتكاز في معادلة إقليمية تتشكل ببطء.

 

الإقليم: مواجهة محسوبة على حافة الخطأ

التصعيد بين إسرائيل وإيران يعكس تحوّلًا في قواعد الاشتباك. ما كان يُدار طويلًا عبر الظل والرسائل غير المباشرة، بات أقرب إلى ضربات مكشوفة لكنها محسوبة. كل طرف يسعى إلى تثبيت الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، غير أن هامش الخطأ في بيئة مشبعة بالسلاح يظل ضيقًا.

 

الفضاء السيبراني يوازي السماء المفتوحة، والرسائل العسكرية تتقاطع مع رسائل سياسية دقيقة. وفي هذا السياق، تصبح غزة أكثر من ساحة محلية؛ تتحول إلى عنصر ضمن إدارة التصعيد الإقليمي، حيث تتردد أصداء أي قرار في أكثر من عاصمة.

 

الإقليم لم يعد مجموعة جبهات منفصلة، بل نظام مترابط تتفاعل فيه الأحداث بسرعة تتجاوز القدرة على الاحتواء التقليدي.

 

العالم: من الحسم إلى إدارة الاستنزاف

في أوكرانيا، يتكرس نمط مختلف للحرب: صراع طويل، تفاوض متقطع، وضربات تُستخدم لتحسين شروط الطاولة لا لإنهاء الصراع. لم يعد السؤال من ينتصر سريعًا، بل من يصمد أطول اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا.

 

هذا التحول يعكس سمة المرحلة عالميًا: الحروب تُدار أكثر مما تُحسم. تُنظَّم كلفتها بدل أن تُغلق ملفاتها. ومع كل جبهة مفتوحة، يُعاد ترتيب الأولويات الدولية، وتُختبر التحالفات تحت ضغط الاستمرار.

 

لحظة إعادة تعريف

ما يجري اليوم يتجاوز كونه تصعيدًا عابرًا؛ إنه مخاض إعادة تعريف للردع، وللتحالفات، وللممكن السياسي.

غير أن الحقيقة الأكثر ثباتًا وسط كل هذا التحول تبقى إنسانية بحتة: المدني هو الثابت الوحيد في معادلة الكلفة.

 

في غزة، كما في غيرها، يدفع الناس ثمن تأخر السياسة عن اللحظة.

والحروب لا تنتهي حين تتعب الجيوش، بل حين تقتنع الحسابات بأن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية.

 

وحتى يحين ذلك الإدراك، سيبقى الإقليم يعيش على حافة الاحتمال — بين واقعية قاسية وأمل لا يملك ترف الغياب

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد