منبر العراق الحر :
ليست الأسماء مجردَ أصوات نتعارف بها، ولا إشارات اعتباطية تُعلق على الأفراد، كما تُعلق اللافتات على الأبواب.
الاسم، في جوهره العميق، هو أول خطاب يُوجه إلى العالم، وأول تعريفٍ يقدمه الإنسان عن نفسه قبل أن يتكلم.
ومع ذلك، درج الناس على التعامل معه بوصفه تفصيلاً شكلياً، أو تقليداً اجتماعياً، أو محاكاة لاسم شائع هنا أو هناك، من غير التفات إلى ما يحمله من دلالات الانتماء والمعنى.
ثمة اعتقاد راسخ بأن الاسم لا يصنع هوية، ولا يقيم صلة بالأرض، وأن الوطنية شأن يُكتسب بالموقف لا باللفظ.
وهذا حق في ظاهره، لكنّه يغفل عن حقيقة أعمق، هي أن الأسماء جزء من الوعي الجمعي، وأنها تتسرب إلى الوجدان، كما تتسرب اللغة إلى التفكير.
فالاسم ليس بديلاً عن الفعل، لكنه يهيئ له، ولا يغني عن الانتماء، لكنه يرمز إليه ويُذكّر به.
حين يُختار الاسم تأكيداً لمكانٍ، أو استحضاراً لمدينة، أو استلهاماً لرمزٍ وطنيّ، فإنما يُراد به تثبيت صلةٍ معنوية بين الفرد وأرضه. وحين يُختار تقليداً لآخرين، أو انسياقاً وراء موجة عابرة، فإنه يعكس حالة من الانفصال غير المعلن عن الجذور.
لسنا هنا بإزاء دعوةٍ إلى الانغلاق أو رفض التفاعل الحضاري، بل إلى وعيٍ بالمعنى، فالتفاعل لا يكون بذوبان الخصوصية، بل بتأكيدها في سياق الانفتاح.
إن الاسم الذي يحمل مدلول الانتماء الوطني لا يعني بالضرورة أن يكون مباشراً أو صريحاً، بل أن ينطوي على ذاكرةٍ ثقافية، أو إحالةٍ تاريخية، أو قيمةٍ أخلاقية تشكّلت في تربة هذا الوطن.
الاسم، بهذا المعنى، يصبح وطناً صغيراً يسكن صاحبه، ويذكّره كلما نودي به أنه امتداد لحكايةٍ أكبر من ذاته.
ثم إن للاسم وظيفة اجتماعية لا تقل أهمية عن وظيفته الرمزية.
فالاسم يمكن أن يكون جسراً للتقارب، أو سبباً للتنافر. حين يُختار بما يعمّق المشتركات، ويستحضر القيم الجامعة، فإنه يسهِم في ترميم النسيج الاجتماعي.
أما إذا صار أداةَ تمايزٍ حادّ، أو شعار اصطفافٍ ضيق، فإنه يتحول من علامة تعريف إلى علامة فرزٍ وتشاحن.
من هنا، فإن مسؤولية التسمية ليست مسألة ذوق شخصيّ فحسب، بل هي فعلٌ ثقافيّ وأخلاقيّ.
الاسم هو أولُ ما يُمنح للإنسان، وهو الإرث الذي يرافقه ما بقي حيّاً.
وإذا كان الوطنُ فكرة كبرى تتجسد في الأرض والتاريخ والناس، فإن الاسم يمكن أن يكون صورته المصغّرة في حياة الفرد.
لسنا مطالبين بأن نحول الأسماء إلى شعارات، ولا أن نثقلها بما لا تحتمل، لكننا مدعوون إلى أن نحسن الاختيار؛ أن نجعل من الاسم تعبيراً عن هويةٍ لا تتنكر لجذورها، وعن انتماء لا يُقصي غيره، وعن رغبةٍ في التآلف لا في التنازع.
فالاسم، حين يُحسن حمله ويُحسن اختياره، يصبح وعداً بالانتماء، وإشارة إلى أن هذا الإنسان، في نطقه الأول، أعلن صلته بوطنه بهدوء وسكينة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر