تأمل في علم الجمال: الحكم الجمالي بين النسبية والموضوعية… الكاتب: عائد ماجد

منبر العراق الحر :

قد ننظر أنا وأنت إلى نهرٍ ضيقٍ مليءٍ بالقصب على جوانبه، وليس نهراً عميقاً. في الوقت الذي سأرى فيه هذا المشهد جميلاً جداً، قد تراه أنت مشهداً عادياً، بل وربما قبيحاً. وربما سأبرر هذا بكوني من بيئةٍ قريبةٍ من الأنهار والقصب، وأنت لم تنشأ في بيئةٍ كهذه. وفي وقتٍ آخر نستمع فيه لأغنية “Dust in the Wind” لفرقة Kansas، ربما ستراها أغنيةً سيئةً وقديمة، وقد أراها أنا أنها أغنية في قمة الروعة والجمال.

السؤال الذي لا يمكن لنا تجاوزه: ما هو الجمال؟ وكيف نصنف الأشياء على أنها جميلة أو غير جميلة؟ وهل هناك مقياس لهذا الجمال أصلاً؟ وإذا كان، فما هو هذا المقياس؟ يمكن لنا تقسيم الحكم الجمالي إلى قسمين، على أساسهما يتكون هذا الحكم الجمالي:

الحكم الجمالي المكتسب
الحكم الجمالي لخصائص الشيء

ولنبدأ أولاً في القسم الأول، وهو الحكم الجمالي المكتسب. ويمكن القول إن جزءاً كبيراً من تفضيلات البشر عائد بشكلٍ كبيرٍ لهذا القسم. فأنا وأنت، وكل من نشأ في مجتمع له خصائصه وما فيه من معايير وقيم وأخلاق وعادات وتقاليد، يكتسب العقل أحكامه من طريقة تعامله مع المحيط الخارجي. ففي المجتمعات القبلية البدوية المعزولة لن تجد أحد أفرادهم يفضل الكمان على الربابة، أو الساكسفون على الناي، وفي البيئات الإسلامية المتدينة لن تجد أحداً يحب شكل المرأة غير المحجبة وهي تتجول في الشارع والأسواق. وهذا هو الحكم الجمالي المكتسب بناءً على البيئة والمجتمع وآلية تعامل العقل مع المحيط الخارجي.

فنرى كذلك، مثلاً، أن الصين قبل قرنين كانوا يرون أن المرأة صاحبة القدم الصغيرة جميلة، مما يجعل النساء يربطن أقدامهن منذ الطفولة لتكون قدم المرأة صغيرة، وإن كان هذا يؤدي إلى تشوهات في قدم المرأة، بينما يرى المجتمع الأوروبي هذه العادة سيئة جداً ولا علاقة لها بالجمال في نفس ذلك الوقت. أيضاً، في جنوب العراق في القرنين الماضيين كانت نساء الريف والأهوار يعتمدن طريقة وشم قديمة على الجسد والعنق والذقن والحواجب، كان يسمى بالـ(دگ) بالعراقية العامية أو الدق بالعربية الفصحى، وكان يعد رمزاً للأنوثة والجمال آنذاك. وحتى في جنوب العراق اليوم، أو حتى الأحواز العربية في إيران، هذه العادة قلت الآن، وقد لا يراها المجتمع الحديث جميلة أو شيئاً يجب على المرأة فعله لتبدو جميلة. وهذا يبين أن المجتمع يتغير من وقتٍ لآخر ومن زمنٍ لآخر، وما يتبين لنا أن أفراد هذا المجتمع يتبعون نفس الحكم الجمالي على الأمور التي يراها هذا المجتمع غالباً.

وبالنسبة للجانب الآخر، أو القسم الآخر، وهو الحكم الجمالي الخاضع لخصائص الشيء، وهو الحكم الجمالي الذي تطغى عليه النسبية بشكلٍ أكثر من القسم الأول، فبينما نرى أن أبناء المجتمع الواحد، وإن اختلفوا في أحكام عديدة، يكونون متشابهين بصفات أخرى عديدة، هنا يظهر الذوق الشخصي في النظر للخصائص، وإن كان بذاته متأثراً بالمجتمع، لكنه يبقى ينظر لقواعد مجردة بعيدة عن كل الأمثلة التي يراها ويلاحظها في المجتمع.

لذلك نرى المثال الذي طرحناه في بداية الأمر عن أغنية “Dust in the Wind”، فأطلقنا حكماً مختلفاً نابعاً من خصائص الشيء. فربما أنت ترى صوت ستيف والش غير مناسب لهذه الأغنية، أو ربما لم تحب صوت آلة الكمان في الأغنية. وربما نقرأ كلانا قصيدة “لا تصالح” لأمل دنقل، ولكن قد يختلف رأينا عنها بشكلٍ كبير. فربما عندما تقرأ بداية المقطع الثالث من القصيدة:

لا تصالح
ولو حرمتك الرقاد
صرخات الندامة
وتذكر
إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد
ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة
أن بنت أخيك اليمامة
زهرة تتسربل في سنوات الصبا
بثياب الحداد

ربما تشكل على طريقة كتابته أو طريقة التقفية، بينما يراه شخص آخر في غاية الجمال من حيث فكرته أو كتاباته وتقفيته. وبرغم هذه النسبية الكبيرة التي نلاحظها في الأحكام الجمالية، لكن ما لا يمكننا أن ننكره هو أن الجمال في ذواتنا وفي أنفسنا وأذواقنا وأخلاقنا وقيمنا والقصص التي كانت جداتنا ترويها لنا عندما نتجمع حولها، ونسقطه نحن على الأشياء وصورها. وإن اختلفنا في نظرنا لها، لكن لكل منا طريقة النظر المختلفة بما هو جميل.

اترك رد