منبر العراق الحر :
دائماً ما تكون دراما الصعيد التي تدور أحداثها في جنوب مصر تحت مجهر الجمهور، وخصوصاً من أهل هذه المنطقة الجغرافية، وغالباً ما تدور قصتها حول قضايا الثأر والسلاح والصراعات والدماء، وانضم إليها هذا العام مسلسل “عملة نادرة” الذي يعرض ضمن موسم رمضان الجاري.
وفي هذا الإطار، اختار المسلسل قضية جديدة وهي حرمان النساء من الميراث الشرعي، وصراع المرأة وكفاحها من أجل الحصول على حقوقها المهدورة في هذه المجتمعات المنغلقة.
المسلسل من بطولة نيللي كريم وإخراج محمد جمال العدل (ماندو العدل)، في تجربة جديدة لكريم تخوض من خلالها الدراما الصعيدية للمرة الأولى، وتدور أحداثه حول شخصية نادرة التي يُقتل زوجها وتدخل في صراع مع عائلته على الميراث، ويحاول والد زوجها إجبارها على التنازل عن حقها فيه.
يعتبر المجتمع الصعيدي ذا خصوصية، وله أعرافه وتقاليده غير الموجودة في الحضر أو المدينة، كما أنه مجتمع جاذب ذو أفكار مختلفة، وتلك هي بعض الأسباب التي دفعت مخرج المسلسل ماندو العدل للاتجاه إلى دراما الصعيد. ويقول العدل في حديث لـ”النهار العربي”: “عندما كنت أفكر وأخطط ماذا سأقدم مع نيللي كريم بعد مسلسل “فاتن أمل حربي” و”لأعلى سعر”، جاء البحث عن دور جديد لم تقم به من قبل، فكان الاتجاه إلى دراما الصعيد”.
عُرفت نيللي كريم بأدوارها المختلفة والمتنوعة، لكنها لم تقترب يوماً من أداء الأدوار الصعيدية. فتكوينها وعيناها الملوّنتان، لا تتوافق مع الشكل النمطي الذي رسخته الدراما الصعيدية على مدار سنوات لأهل الصعيد، إذ تبدو طبيعة كريم بعيدة عن المرأة الصعيدية، أو هكذا أوحت لنا أدوارها السابقة. وعند عرض الدور عليها ساورها القلق بالفعل من قبوله، لكن مخرج العمل كان له رأي آخر قائلاً: “نيللي كريم موهبة فذة، وأعتبرها أهم ممثلة في جيلها، وقد نجحت في كل الأدوار المختلفة التي خاضتها سواء الكوميدي أو التراجيدي، وكان لدي ثقة كبيرة في موهبتها وأنها بالاجتهاد والمذاكرة للهجة الصعيدية ستتخطى أي صعوبات”.

انتقاد الأعمال الصعيدية
الانتقاد الدائم الموجه لدراما الصعيد يركز على كونها “غير واقعية”، وتُظهر الصعيد بصورة نمطية غير حقيقية بعيدة من قضاياه ومشاكل سكانه، لذا فصناعة هذه النوعية من المسلسلات صعبة؛ كون الصعيد ذا طبيعة خاصة تستوجب معرفتها قبل خوض غمارها.
وعن الصعوبات التي واجهها في صناعة عمل عن الصعيد، خصوصاً أنه العمل الأول له عن تلك المنطقة، يقول العدل: “لم أكن متابعاً للأعمال الدرامية الصعيدية، فتوجهت إلى كلاسيكيات المسلسلات الصعيدية الناجحة مثل “ذئاب الجبل”، و”الضوء الشارد”، و”حدائق الشيطان”، و”الليل وآخره”، لإعادة مشاهدتها”.
ويضيف: “إلى جانب دراسة طبيعة المجتمع الصعيدي، وقراءة كتب عنه لفهم عاداته وتقاليده، سافرت إلى هناك لمعاينة الأماكن والتعامل مع الناس لفترة، لأن شكوى أهل الصعيد دائماً أن المسلسلات لا تعبّر عنهم وليست مشابهة لهم في السنوات الأخيرة، فحاولت الاقتراب منهم قدر الإمكان والجلوس معهم كي أعرف عاداتهم وتقاليدهم وطريقة كلامهم، إذ كان شغلي الشاغل أن يشعروا أن هذا العمل مشابه لهم وقريب من حياتهم”.
ويلفت إلى أن “ثمة صعوبات جمة واجهتنا، وبينها ديكور “نجع عبد الجبار” الذي بنيناه بعيداً جداً عن المدينة، مع ظروف تصوير قاسية، وعدد المجاميع التمثيلية كبيرة، كما تمّ تصوير عدد كبير من المشاهد في الصعيد في معابد وشوارع الأقصر وقنا”.
إعادة اكتشاف
جاء اختيار كثير من أبطال العمل موفّقاً، بل كان حضور بعض الممثلين غير المعروفين لافتاً للانتباه بسبب جودة أدائهم، ومنهم أحمد فهيم، ومحمد علي ميزو، إضافة الى محمد فهيم الذي يمتلك موهبة مشهودة. وهو رغم اشتهاره في أداء الأدوار الكوميدية، لكنّ نجمه لمع عندما أسند له الكاتب الراحل وحيد حامد دور سيد قطب في مسلسل “الجماعة”، فأثبت تميزه في أداء الأدوار البعيدة عن الكوميديا، وهو لا يزال يستحق فرصةً أكبر توضح قدراته وموهبته.
ومن الأدوار التي تركت علامة مميزة لدى الجمهور شخصية الفنانة فريدة سيف النصر (زوجة عبد الجبار) بقسوتها وتسلطها؛ ودوراً تلو الآخر، تتضح نجوميتها، وهي الممثلة التي تم حصرها خلال فترة شبابها في أدوار الإغراء أو المرأة اللعوب، لكن بمرور السنوات تكشف أنها لديها موهبة لم تستغل.
ثمة انتقادات وُجهت لاختيار الفنان السوري جمال سليمان وأنه ليس الأنسب لأداء دور عبد الجبار، إلى جانب انتقادات أنه لا يجيد اللهجة المصرية بعد كل هذه السنوات.
لكنّ مخرج العمل يرى كذلك أن الصعيد ليس لهجة فقط وإنما روح، وعلى من يقدم الدور أن يمنحك انطباعاً عن الشخصية، إذ أجاد سليمان أداء شخصية عبد الجبار ببراعة، واستحضر روح الصعيد في الشخصية وهو الأصعب. و يرى العدل أن من حق الناس التحفظ على اللكنة، لكنه يعتقد أن ثمة تربصاً وانتقاداً في ما يتعلق باللهجة أكثر من النظر إلى الأداء والتمثيل والتقمص، فسليمان “يملأ مكانه ويمنح الشخصية هيبتها”.
وكانت المفاجأة في اختيار الفنان أحمد عيد في دور البطولة وإعادته الى الساحة الفنية بعد غياب، وهو المعروف عنه القيام بالأدوار الكوميدية، لكنه ظهر بدور مختلف تماماً عبر شخصية شريرة قاسية، وهو اختيار فاجأ الجمهور.
يقول العدل: “أرى أن أحمد عيد ممثل جيد جداً، حتى أفلامه الكوميدية حملت صبغة الكوميديا السوداء وفيها جانب كبير من الدراما، وارتأيت أنه قادر على أداء هذا الدور رغم تحفظ الشركة المنتجة لأنهم يعتبرونه كوميديان، وعيد نفسه لم يكن موافقاً على الدور واعتذر لشركة الإنتاج، بيد أنني أصرّيت على اختياره، إيماناً أنه ممثل كبيروأقنعته بالموافقة، واعداً إياه بالوقوف بجانبه في كل التفاصيل، وحدث ما توقعته وحقق نجاحاً كبيراً”.
المرأة والأعراف
يثير المسلسل قضية مهمة يعاني منها المجتمع المصري لا سيما في الصعيد والريف، وهي حرمان النساء من حقوقهن في الإرث الشرعي. إنه عرف موجود ليس استناداً الى القانون أو الدين. فالأعراف تقضي ألا ترث النساء، وإن مُنحت لا تأخذ أرضاً وإنما أموالاً، وهو فعل ظالم وفيه انتقاص للمرأة وحقوقها.
وهذا ما يؤكده مخرج العمل بقوله: “أحاول إعطاء المرأة حقها في أعمالي، فهي عنصر أساسي في المجتمع وشريكة للرجل، والعام الماضي أخرجت “فاتن أمل حربي” عن حقوق المرأة، وساهم هذا المسلسل في تغيير القانون، واعتبرتها جائزة كبرى أن يستطيع المسلسل تغيير واقع الناس، وأتمنى أن يجعل “عملة نادرة” أهل الصعيد يعيدون النظر في هذا العرف، لأنني لا انتقدهم وإنما أحاول القول إنّها أعراف من الوارد تغييرها وإعادة التفكير فيها، ومحاولة منح كل طرف حقوقه سواء الرجال أو المرأة، إيماناً مني بدور الفنان في البحث عن الطرف المستضعف في المجتمع ومحاولة إعادة حقوقة”.
يشار إلى أن رئيسة المجلس القومي للمرأة مايا مرسي أشادت بمسلسل “عملة نادرة” الذي يُقدّم شخصية المرأة الصعيدية القوية التي تحاول تحافظ على ميراثها وميراث ابنها، وقدمت التحية لبطلة العمل وصنّاعه.
.jpg)
ثنائي ناجح
يشكل ماندو العدل ونيللي كريم ثنائياً فنياً ناجحاً على مدار المواسم الرمضانية المتعاقبة، وعن ذلك يقول المخرج: “أرى أن نيللي كريم أهم ممثلة في جيلها؛ فلديها رصيد نحو 10 مسلسلات بينها 7 على الأقل ستعيش في تاريخ الدراما العربية، ويسعدني دائماً العمل مع الفنانة التي مثلت “سجن النساء” و”ذات”، و”تحت السيطرة”، و”فاتن أمل حربي”، وغيرها، إذ يجمعنا تناغم في العمل، كما أن طريقتها مريحة وبعيدة من النجومية المريضة؛ فلا تتدخل في عمل المخرج ولا تنظر لأدوار زملائها بل تساعد كل الممثلين معها كي يكونوا في أفضل حالاتهم، وأنا أستمتع بالعمل مع الممثل الذي لديه موهبة كبيرة ويقدر قيمة المهنة وأصولها، وهي تمتلك كل هذه المزايا”.
وفي ما يخصّ الإضاءة، وُجّهت انتقادات كثيرة الى المسلسل بأنه يقدّم صورة مظلمة، إذ طغى اللون الأسود على المشاهد والملابس وكذلك منازل العمل التي بدت كما لو كانت بيوتاً مهجورة، وربما كانت الدلالة على طبيعة القصة التي يعالجها المسلسل.
يذكر أن مسلسل “عملة نادرة” يشارك في بطولته جمال سليمان، أحمد عيد، فريدة سيف النصر، محمد فهيم، كمال أبورية، جومانة مراد ومن تأليف مدحت العدل.
هبة ياسين —-النهار العربي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر