بعد نجاحها في المواسم السابقة… مسلسلات “الحروب” تخفق جماهيرياً

منبر العراق الحر :

شهدت الدراما الرمضانية خلال السنوات الماضية اتجاهاً قوياً لإنتاج أعمال حول محاربة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة بطول البلاد وعرضها وخصوصاً في سيناء، ونالت سلسلة مسلسل “الاختيار” بأجزائه الثلاثة، وخصوصاً الأول منه نجاحاً كبيراً، ومتابعة جماهيرية لافتة.

بالتوازي كانت الصبغة السياسية هي سمة السنوات السابقة عبر إنتاج أعمال تتناول وقائع مخابراتية مثل “هجمة مرتدة” لهند صبري وأحمد عز، و”العائدون” لأمير كرارة وغيرها، إذ كان اتجاه السلطة المصرية هو تعريف الرأي العام بتفاصيل الأوضاع السياسية الخافية عنه عبر أعمال فنية تحمل بين طياتها رسائل فشلت أدواتها التقليدية في توصيلها، فكان اللجوء للقوى الناعمة وتوظيف الفن.

ولكن تظل سلسلة “الاختيار”، هي صاحبة رصيد النجاح والانتشار اللافت على المستويين المصري والعربي، إذ دعم الكتابة الدرامية الوثائق وشهادة الشهود، ولعبت شخصيات بعض أبطاله الحقيقية مثل بطل الموسم الأول (العقيد أحمد منسي) دوراً في هذا النجاح، فحققت جماهيرية ومشاهدة مرتفعة.

لكن تراجع الصدى هذا العام بالنسبة لمثيلاتها وبينها مسلسل “الكتيبة 101”  لآسر ياسين وعمرو يوسف، ومسلسل “حرب” لأحمد السقا.

لعلّ أحد أسباب ذلك التراجع هو أنه خلال السنوات الماضية كان هناك حماس جماهيري ونخبوي لمعرفة الحقائق والأسرار والأحداث المفصلة خلال فترة صعود جماعة “الإخوان المسلمين” العام 2012، ثم  سقوطهم بعد ثورة 30 يونيو/ حزيران 2013، لكونها فترة غامضة، إذ لم تحدث كتابة موثقة وموسعة يمكنها أن تجعل  الجمهور قادراً على تكوين فكرة عامة ومتماسكة عن الأحداث.

وهو ما يؤكده الباحث في شؤون الإرهاب هشام النجار قائلاً لـ”النهار العربي” أنه “عندما خرج مسلسل  “الاختيار” أشبع جزءاً كبيراً من هذا الشغف بشكل جدي خصوصاً الموسم الثالث الذي تناول فترة حكم “الإخوان” وظهور الرئيس عبد الفتاح السيسي، ويعتبر مسلسل “الكتيبة 101″ مثل الملاحق؛ لتأكيد ما تم عرضه من حقائق سابقة؛ لذلك تراجع هذا الشغف والحماس لمشاهدة هذه النوعية”.

وأضاف: “لا يمكن الحكم أن هناك انقطاعاً أو إحجاماً عن متابعة هذه النوعية من الأعمال وتشبع الجمهور منها بشكل كامل، إذ حظى “الكتيبة 101” بجزء من المتابعة لكنها نخبوية بين المتخصصين في هذا الملف، وهو ما توضحه منشوراتهم على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” عبر مناقشة بعض الأحداث والوقائع والشخصيات، والتي تحتوي جزءاً من العمق أكثر تخصصاً وتوثيقاً للأحداث عن التناول السابق في أعمال السنوات السابقة.

مواجهة درامية مضادة

ويبرر النجار ذلك بقوله: “نظراً الى أن تناول أحداث سيناء في “الاختيار” خصوصاً الجزء الأول ومعركة البرث التي قادها العقيد أحمد منسي جاء كمشهد من صورة عامة هي مكافحة الإرهاب بعمومه وكافة أطيافه وتنظيماته، لكنّ “الكتيبة 101” ظهر أكثر تخصصاً لأنه يتناول أحداث ومحاولات “داعش” لتأسيس ولاية تكفيرية مسلحة في سيناء بصورة تخصصية.

لا شك في أن أحد الأسباب الأخرى لهذا التراجع هو إصابة الجمهور بالملل بسبب التشبع منها، ولكن يظل توثيق هذه الأحداث مهماً جداً، وهو ما يتوافق معه النجار بقوله: “أنه على مدار السنوات كان لدى الجمهور العادي بعض التصورات الزائفة بسبب التناول الإعلامي الإخواني وكم الأكاذيب والزيف التاريخي وتسويق الأباطيل والإشاعات التي تم بثها عبر إنتاج برامج وأفلام وثائقية عن الجيش المصري بصورة احترافية من قبل إحدى القنوات الإقليمية، وتأثر بها الجمهور، وهو ما حتم مواجهة ذلك عبر التناول الدرامي والفني والمعالجة الفنية الوطنية لهذه الأحداث وتلك الفترة من التاريخ وتراكماته”.

لعل أحد أسباب نجاح “الاختيار ” هو واقعيته، وأحداثه كان يعايشها المصريون لتوهم آنذاك، وذهب ضحيتها مجندون وضباط أو مدنيون مثل العمليات الإرهابية التي استهدفت كنائس أو منشآت عامة تقع في نطاق حياتهم في القاهرة أو المحافظات المختلفة وخصوصاً سيناء، وكذلك وقائع اغتيال شخصيات شهيرة مثل النائب العام هشام بركات، إذ كان في منطقة سكنية بمصر الجديدة (شرق القاهرة)، وكذلك محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم في منطقة مدينة مصر (شرق القاهرة) وأصيب وقُتل بسببها مدنيون، وهي بعض الأحداث التي تضمنها “الاختيار”، ولكن تدريجاً استطاعت الأجهزة الأمنية المصرية السيطرة على هذه الموجات الإرهابية، حتى توارت تماماً، وعاد الجمهور الى حياته الآمنة العادية.

مقارنة

كان من الطبيعي أن تحدث المقارنة بين “الاختيار” من جهة و”الكتيبة “101 و”حرب” من جهة أخرى، ومسلسل “حرب” أهم ما تميز به هو قصر عدد حلقاته، وهو ما رفع سقف التوقعات تجاهه من حيث كثافة الأحداث وإيقاعها السريع، رغم الإيقاع السريع في البداية، إلا أنه تحول إلى الرتابة تدريجياً رغم أنه يتكون من 10 حلقات فقط، ولكن كان الجديد فيه هو تخلي  السقا عن دور الضابط الذي يتصدى للإرهاب كما كان دوره في “الاختيار”، ليصبح هو الإرهابي، خابت التوقعات تجاه “حرب”، ولم يحظَ بالاهتمام المتوقع، فقدم السقا أداءً باهتاً، وقالباً نمطياً للإرهابي، بتعبيرات وجه جامدة، وواجه انتقادات بكونه لا يستطيع الحفاظ على نجوميته، كما استدعى ذلك مقارنته بزميلة جيله منى زكي، والنجاح الذي تثبته عملاً تلو الآخر وقدرتها على تطوير نفسها وأخيرها مسلسلها الرمضاني “تحت الوصاية”.

ومن الناحية الفنية ثمة أسباب ساهمت في تراجع الاهتمام بهذه الأعمال، ويرى الناقد أحمد سعد الدين أنه خلال السنوات الثلاث الماضية حظى “الاختيار” بمواسمه الثلاثة بتسليط إعلامي كبير وزخم جماهيري، لأن أحداثه كانت تمس الناس بشكل مباشر وبينها وقائع عايشها الناس في حياتهم اليومية وعانوا منها، مثل اعتصام رابعة، أما باقي الأعمال حتى لو كانت  موضوعاتها حقيقية لكنها لم تحظ بالدعاية الكافية وأحداثها بعيدة من معايشة ناس كثير”.

وأضاف: “إضافة إلى توقيت العرض الذي يقع عليه عامل كبير، فكان موعد “الاختيار” عقب الإفطار مباشرة في توقيت مميز يجمع حوله المشاهدين، علاوة على ذلك جمع “الاختيار” عدداً ضخماً من نجوم الصف الأول من الأسماء الجذابة والرنانة وبينهم أحمد عز وكريم عبدالعزيز وأمير كرارة وأحمد مكي، فكان وجود هؤلاء النجوم في عمل واحد جاذب للجمهور، فخرجت مباراة تمثيلية  قوية.

التوظيف السياسي للأعمال الفنية

وأخيراً استخدام الأعمال الفنية لخدمة أهداف سياسية أو في أوقات المعركة ليس مستحدثاً في مصر بل يستخدمه العالم كله، وهوليوود بها كثير من الأفلام التي تقوم على ذلك، وكان البعض يرى أهمية هذه الأعمال من ناحية لتخليد أبطال القوات المسلحة وتضحياتهم من أجل الوطن ومن ناحية أخرى أن هذه الأعمال تقوم بفضح البينة الفكرية والتنظمية لهذه الكيانات الإرهابية وباعتبارها مسألة أمن قومي لتصحيح المفاهيم الملتبسة خصوصاً بين الشباب الذين يتعرضون لغسيل الدماغ.

وكان الهدف من إنتاج تلك الأعمال مواجهة خطاب آخر معادٍ استهدف القوات المسلحة المصرية عبر حملات إعلامية شرسة من منصات وقنوات تلفزيونية إقليمية، وحفلت هذه الأعمال بعرض البطولات العسكرية وتضحيات الجيش والشرطة المصرية، مستهدفة من ذلك التأثير في الأجيال الشابة التي تستمد ثقافتها ومعرفتها من شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي التي لا يمكن التحكّم في محتواها.

هبة ياسين—-النهار العربي

اترك رد