“غزة في قلوبنا”… فنانون عرب يناصرون القضية بالكاريكاتور

منبر العراق الحر :

يقترن فن الكاريكاتور دائماً بالضمير الجمعي، فهو صوت الإنسان الحرّ المدوّي، الذي يتجاوز في صدقيته وتأثيره أبجدية الكلمات. وهو التعبير الموثوق به عن النبض الشعبي الحيّ والإرادة المجتمعية، لاسيما في الأزمات الكبرى والقضايا الملحّة.
الكاريكاتور هو فن المصارحة والمكاشفة ومصافحة الذات، والغوص الأمين تحت الجلد، ونقل الحقيقة المجرّدة، وكشف الزيف والأكاذيب، وفضح الممارسات المتعسفة والعدوانية، وتحدّي القوى الغاشمة والمتجبرة.
اكتسب الكاريكاتور هذه الطاقة التفجيرية الخلاّقة عبر سنوات طويلة من النضال والمقاومة والالتحام بجموع المواطنين ونقل معاناتهم والتحدث بلسان حالهم في مواجهة السياسات والإجراءات التسلطية والقمعية التي تتهدّدهم، على اختلاف أشكالها.
وزادت قوة هذا الفن البصري الساخر الجريء، وقدرته على نسج الكوميديا السوداء، باقترانه بالصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية، ثم بانطلاقه في ثوبه الإلكتروني الجديد عبر منابر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الواسعة الانتشار.
ولا يزال الكاريكاتور العربي، حتى اللحظة الحالية، يراهن على قدرته على إحداث حراك في المشهد، وإظهار مشاعر الغضب كحمم بركانية تملأ الآفاق.
فهو ذلك الفن الذي يملك التكثيف والتركيز، وآليات التندّر والتهكّم، ويشتغل على المفارقات والتناقضات، والتضخيم والتقزيم، مطلقاً كبسولاته السحرية الدالّة، التي تفوق في معانيها وإيحاءاتها عشرات المقالات المنسوجة بالحروف والعبارات.
عماد جمعة
 
 
صيحة الرسّامين
وهكذا، لم يكن معرض “غزة في قلوبنا” الجماعي، الذي انعقد بمشاركة أكثر من خمسين فنّاناً عربيّاً، مجرد مناسبة فنية. فهذا المعرض الكاريكاتوري الكبير، الذي شهدته القاهرة أخيراً في مقر جمعية محبي الفنون الجميلة في حي جاردن سيتي (نوفمبر/ تشرين الثاني 2023)، هو صوت داعم للقضية الفلسطينية، ورسالة مساندة إلى أهالي قطاع غزة في مواجهتهم الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
أُقيم المعرض برعاية جمعية محبي الفنون الجميلة، التي يرأسها التشكيلي أحمد نوار، والجمعية المصرية للكاريكاتور، التي يرأسها الفنان مصطفى الشيخ، وحضره مسؤولون فلسطينيون بارزون، منهم ناجي الناجي المستشار الثقافي الفلسطيني في القاهرة، وأحمد عوض مسؤول الدبلوماسية الرقمية في سفارة فلسطين في القاهرة.
ومثلما يوضح عنوان معرض “غزة في قلوبنا”، فإنّه يأتي في سياق اضطلاع القوة الناعمة العربية بدورها لنصرة غزة وشدّ أزر أهلها، على اعتبار أنّ النضال ليس بالضرورة أن يكون بالسلاح فقط، وإنما يمكن أن يتمّ بكل الوسائل، وأنّ كل إنسان عربي عليه واجب إزاء فلسطين وأهلها، يعكس ما يحمله في قلبه نحوهم من تضامن.
ومن ثم، فإنّ المعرض، وفق تعبير الفنان عماد جمعة مدير الملتقى العربي لرواد الكاريكاتور، والفنان فوزى مرسي قومسير المعرض، يعدّ بمثابة “حالة جماعية من التضامن” مع غزة في هذا التوقيت العصيب، و”صيحة مدوّية” من رسّامي الكاريكاتور العرب في وجه الكيان الصهيوني. كما يُعدّ المعرض “تجسيداً لفكرة المقاومة” من خلال المبدعين، القادرين على الفعل بواسطة الفن والرسوم التعبيرية، وذلك من أجل فضح مزاعم الاحتلال الإسرائيلي، وتعرية أكاذيبه، وكشف ممارساته للعالم أجمع.
للفنان عبد العزيز تاج
القضية والفنيّات
تتنوع الرؤى والأطروحات التعبيرية التي يقدّمها فنانو معرض “غزة في قلوبنا”، المنتمون إلى أجيال مختلفة، ودول متعددة، ومنهم: أسامة نزال، وصفاء عودة من فلسطين، آمنة الحمادي من الإمارات، أسامة بو صبا من السودان، رشيد الرحموني من تونس، ناصر الجعفري من الأردن، علي خليل من البحرين، عبد العزيز تاج، وجورج البهجوري، وعماد جمعة، وأحمد علوي، ومصطفى الشيخ، وجمعة فرحات، وحسن فاروق، وسمير عبد الغني، وشيماء الشافعي، وفاروق موسى، وتامر يوسف، وعمرو سليم، ونورا مكرم، من مصر، وغيرهم.
وتعيد الأعمال المشاركة في المعرض الجماعي في محصلتها طرح ذلك التساؤل التقليدي عن ماهية الإبداع النابع من الأحداث الكبرى والقضايا المصيرية، وهل يُنظر إلى مثل هذا الإبداع من حيث وظيفته في المقام الأول، أي من حيث الدور الذي يلعبه هذا الإبداع ذو الطبيعة الخاصة كمشروع نضالي أو تعبوي أو اجتماعي أو سياسي، الخ؟ أم أنّ المعالجة الإبداعية يجب أن تبقى جمالية مجرّدة تحت أي ظروف، بمعنى إعطاء الأولوية للمقوّمات والعناصر والمفردات الفنية، صياغيّاً وأدائيّاً وتقنيّاً؟
للفنان جورج بهجوري
ويبدو أنّ معرض “غزة في قلوبنا”، بشروطه ومعطياته الخاصة، يتيح إجابة عملية عن هذا التساؤل، وذلك من خلال التقريب بين وجهتي النظر المتباعدتين بشأن الإبداع، ووظيفته. ففي الحالة الفلسطينية بصفة عامة، وفي ظرف الفلسطيني الحالي الاستثنائي، ليس ممكناً بالتأكيد الحديث عن إبداع فني من دون قضية محورية واضحة، لأنّ القضية هي الواقع كله، وهي الوجود، والحق في الحياة.
وعلى الجانب الآخر، في الوقت نفسه، فإنّ الفنّيات والأدوات والقيم الجمالية المطلقة، هي من ضرورات التحقّق الإبداعي، وشروطه الجوهرية التي لا غنى عنها، ليتمكن الإبداع من النفاذ عبر الحدود، وإحداث الأثر المرجو لدى المتلقّي، وامتلاك حواسه بالإدهاش والابتكار والرهافة والحساسية والصدقية.
وهكذا، تمضي لوحات معرض “غزة في قلوبنا” في هذا المسار الكاريكاتوري الذي تلتقي فيه، ضمن العمل الواحد: الصورة/الغاية، أي المكتفية بذاتها، والصورة/الوسيلة، أي التي تحمل هدفاً، وتوصّل رسالة. ولأنّ المقصود توسعة نطاق الرسالة ومدّ أشعتها إلى أقصى درجة ممكنة، فقد جاءت النسبة الأكبر من اللوحات بصرية بحتة، من دون تعليقات، لكي تتخطّى حاجز اختلاف اللغة.
وتمثل لوحة جمعة فرحات بوضوح هذا المزج الحميم بين الصورة وهدفها، إذ يجسّد الفنان المصري الكيان الإسرائيلي كثعبان ضخم على هيئة النجمة السداسية، وعلى جلده تتكرّر هذه النجمة أيضاً كنقوش متجاورة، بينما يفتح الثعبان فمه عن آخره محاولاً ابتلاع المسجد الأقصى، في أجواء رمادية تتعذّر فيها الرؤية، وينسحب فيها العالم في حالة عماء عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.
وفي شريط لوحات المعرض الكاريكاتوري العربي، تتجاور جوانب وتفاصيل كثيرة تبرز في مجملها الفصول الكاملة للمأساة الفلسطينية، التي بلغت ذروتها منذ شن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. فالفنان المصري عبد العزيز تاج، على سبيل المثال، يصوّر ضمير العالم جثة هامدة في النعش، بينما المسحراتي العربي لا يفقد الأمل حتى الرمق الأخير في محاولة إيقاظه وإنعاشه.
ويجسّد الفنان الفلسطيني أسامة نزال توازي القصف الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والشعب الفلسطيني، مع إخراس طائرات الاحتلال لوسائل الإعلام العالمية، التي تنحاز للعدو، وتتعامى عن كشف حقيقة ما يجري من قتل وتدمير وتخريب. كما تتجلّى في لوحة صفاء عودة من فلسطين اغتيالات الآلة العسكرية الإسرائيلية لأطقم الإعلام المناصرة للقضية الفلسطينية.
ويرسم الفنان المصري جورج بهجوري ذاته، وهو يهدي ورود الأمل والحياة إلى الطفل الفلسطيني، وبجانبه حمامات السلام والبراءة. في حين تُحيّي الفنانة الإماراتية آمنة الحمادي عناصر المقاومة الفلسطينية، موضحةً كيف أنّهم يأسرون الجنود الإسرائيليين بشجاعة، ويرفعون علم فلسطين.
وتترجم لوحات المعرض فكرة التشبث بالأمل والتمسك بالحياة والقدرة على المقاومة حتى النهاية، فيجسّد الفنان المصري عماد جمعة يداً فلسطينية ترتقي وسط الدمار والأنقاض والمعارك الدائرة، رافعةً إصبعاً إلى السماء، وبجوارها يرفرف العلم الفلسطيني، في إشارة إلى أنّ النصر قادم لا محالة، بالنضال البشري من جهة، وبالاستجابة الإلهية للدعاء من جهة أخرى.
وتستعيد مجموعة من فناني المعرض، منهم المصرية نورا مكرم، شخصية حنظلة الشهيرة لفنان الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي (1937-1987)، وذلك في سياقات جديدة وتعبيرات مبتكرة، في إثبات لفكرة تواصل الأجيال، وتأكيد أنّ سلسلة المقاومة تتألف من حلقات متصلة متشابكة، وتنتهي بالضرورة برفع العلم الفلسطيني على الأرض المحرّرة.
شريف الشافعي —-النهار العربي

اترك رد