منبر العراق الحر :
تعرّتْ السّنون
تعرّى البشر
تعرّتْ الطيور..
ذات عصرِ خريفيٍّ، “رمتْ معاطفَها الجبال”
فككتِ الريحُ أزرار أيّامِهم ..
تحت نوافذ الخريف سقطت دموع الزهور،
مضّرجةً بدمِ الخريف .
****
تطارِدُكَ الأيام..
تطاردُك الشوارع
تطاردُك أزقةُ حاراتِ الصفيح..
إلى أينَ ؟!
القطاراتُ تنهبُ السكك،
والأيام لا تتوقف عن الجري خلف قطارات العمر..
*** ***
القطارات لا تتوقف..
الأيام رثّةٌ كثيابِ شحّاذٍ عجوز .
*** ***
“لا تصعد القطار وهو يسير”
كيف سأصعدُ القطارَ، قبل أنْ يتوقفَ؟
*** ***
“ذاتَ عصرٍ.. يوم افترقْنا ” قال:
” البشرُ يعرفون الحاضر ..
المستقبلُ تعلمُه الآلهة. ”
إذا فقدتَ الأملَ في المستقبل تنحى جانباً.
*** ***
” ذات عصرٍ.. يوم افترقنا ”
تركتني ومضتْ !.
وحيداً جلست فوق رصيف الغربة،
تحيطُ بي كوكبةٌ من شموعِ الذكريات المطفأة .
*** ***
ذاتَ عصرٍ تشريني أخرجُوه من بيته، وكتيسٍ جرّوه
إلى جهة مجهولة !
سنوات.. وسنوات وهي تنتظرُ رجوعه..
” سلوم ” لم يعد ..
أمُّ سلومٍ تنتظرُ ..
أمُّ سلومٍ تسألُ:
متى يعود سلوم؟
في هذا العصر التشريني دفنّا أمّ سلوم في مقبرة زهرة الريح،
هناك ..فوق تلّة الشيخ إبراهيم بعدَ أنْ ارتمتْ على التابوت،
وآخر ما قالته:
“يرحم أبوكم خلوني شوفو لحظة..
لحظة فقط”
ذاتَ العصرِ دفناهما معاً،
ومعاً واريناهما الثرى.
*** ***
فوق سجادةِ الربيعِ، جلستِ السوسنةُ، قالت:
باردةٌ هي الأرض..
قطراتُ الندى جفّفتْها نارُ الحرب..
هكذا .. مزّقتْ مخالبُ العتمةِ ثوبها الأخضر..
هكذا مزّقتْ أنيابُ الذئابِ سجادةَ القمر.
****
/ لكلِّ أرضٍ سماؤُها التي تهوى،
بل.. إن شئتَ فلكلّ روحٍ سماء/
بلْ.. أيّ سماءٍ لأمّ مزّقت جوارح الطير زغاليلها ؟.
بلْ ..إلى أيّ سماءٍ ستطيرُ روحها
بعد أنْ مزقوا ثوبها الأزرقَ الجميل؟
وفوقَ أيّ أرضٍ ستحطّ زغاليلُ الحمام،
بعد أنْ توزعَ القنّاصةُ تحتَ أشجارها،
وعلى أطراف الحقول؟!
*** ***
” ذاتَ العصرِ.. يومَ افترقنا”
وقبلَ أن نفترق،
سألتني عن الذينَ أغلقوا أبواب بيوتهم،
في حلْكة الحرب، ثم مضوا..
– إلى أين مضوا ؟
ذات العصر افترقْنا ،
ومضى كلٌ منّا في طريق!.
***** *
” ذاتَ العصرِ.. بعد فراق طويل”
في السنة الثانية للحرب، هاتفني الشّاعرُ فيصل خليل:
غداً سأكون في الشّام للعلاج .. وضعي الصحي يزداد سوءاً..
أتمنى أن نلتقي ..
في ذلك الغدِ من السنة الثانية للحرب،
قطعَ المسلحونَ طريق الشّام ..
ومن بعدِ ذلك الغدِ والشّاعرُ فيصل خليل
يرقدُ في مقبرةِ “الجنجانية”*
على كتف جبلها، مع من سبقوه إلى الموت.
*** ***
ذاتَ عصرٍ..
في السنة التاسعة للحرب،
يوم افترقْنا،
وكنّا نتسكع على أرصفة الشام، قالت :
أحلمُ بأنْ يكون للغيمِ أرصفةٌ وقتَ نطيرُ إلى السماء ،
نتسكعُ فوقها إلى الأبد ،
أو كلّما اشتعلتْ حرب..
وقبل أن نفترق، قالت:
– المتعبونَ طيورٌ تلهو بها الريح..
وفي ذاتِ العصر،يوم افترقْنا
طارتْ حماماتُ روحي ..
ذاتَ العصرِ مكانَ اللقاءِ الأخير حطَّ الحمام.
” ذاتَ العصرِ.. في الرابعة افترقْنا لأسبوع واحد..
يا للحسرة !. لكنّ ذلك قد دام إلى الأبد ”
ذات العصر في الرابعة افترقنا،
وبعد أن افترقنا ، تذكرت،
موال سميعة بنت علي، وصوتها الحنون الذي يبكي الحجر ..
فتفتحت جراحي، وأطلقت لصوتي العنان :
” ما ظنّي الراح بعد الراح بيعود..”
” وأوف.. أوف .. يا زمن !”
ولا أظن أن الذي مضى سيعود..
“وأوف.. وأوف.. وأوف.
بديع صقور
========================================
منبر العراق الحر منبر العراق الحر