لبنان .. جرحٌ تاريخيّ….سعد علي مهدي

منبر العراق الحر :
( 8 )
في سنة 1979 حدث زلزال سياسي في إيران .. ألا وهو سقوط نظام حكم الشاه .. ووصول رجل دين بارز الى الحكم وأعني به الخميني بكل ما يحمل من نزعة ٍ متشددة وعداء علني صريح لأمريكا وصنيعتها الكيان .
وأقول عن الثورة الإيرانية أنها زلزال لأن تأثيرها قد امتد الى أماكن أخرى .. تماما كما كان تأثير الثورة الفرنسية أو الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 .. ومازلت أتذكر كيف مرّت سنة كاملة من تضحيات الشعب الإيراني يوميا ً حيث لم يتنازل الشاه عن الحكم بسهولة .. بل سقط آلاف الضحايا وبشكل يومي نتيجة المظاهرات مع الأخذ بنظر الاعتبار أن العم سام كان متمسكا ً بالشاه وبنظامه حتى آخر يوم .
كانت من أولى قرارات الخميني هو إنزال العلم الصه..يوني ورفع العلم الفلسطيني بدلا ً عنه مع إنهاء التمثيل الدبلوماسي للكيان في طهران ليكون التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني بديلا ً عنه .
كنت حينذاك في المرحلة الثالثة من دراستي الجامعية .. وأتابع الأخبار جيّدا ً .. فقد حاولت أمريكا التقرب من النظام الجديد في طهران وذلك لما يتمتع به الموقع الجغرافي لإيران الغنية بالثروات البترولية .. فهي تقع على حدود العدو التقليدي لها وأعني به الاتحاد السوفيتي السابق .. كما أن السياسة لا تهتم للأشخاص وانما اهتمامها الأول بالمصالح .. إلا أن كل محاولات أمريكا للتقرب من النظام الجديد ذهبت أدراج الرياح طالما أن سيد الحكم الجديد ( الخميني ) يضمر من العداء لأمريكا ما يصعب وصفه .. ربما لأنه كان يرى فيها الحليف الوثيق للشاه من قبل .. ثم تفاقمت الأمور بعد أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران .
ومنذ ذلك الحين أعلن العم سام حصاره على إيران بعد أن استولى على الأموال الإيرانية المودعة في بنوك أمريكا .. كما أنه لم يدخر جهدا ً في إسقاط النظام الجديد .. ومايزال .. ومنذ ذلك الحين تحركت النزعة الطائفية لدى الأنظمة العربية وإعلامها الحكومي ضد إيران .. وتحولت إيران الشقيقة الى إيران المجوس والروافض .
أظنني قلت لكم في الحلقة السابقة أن الخلاف سياسيّ بالأساس وقد تغلف بالغلاف المذهبي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 9 )
ظلت إيران بعد نجاح ثورتها ورغم الحصار عليها وانشغالها بالحرب مع العراق .. ظلت ترعى التنظيم الناشئ في لبنان وأعني به حزب الله .. كما كانت في البداية ذات علاقة طيبة بتنظيم فتح ورئيسها عرفات .
إنها تمدّ اليد لكل من يعادي أمريكا والكيان .. لذلك لم تبخل على حزب الله بالمال والسلاح .. وبالمقابل فقد أثبت الحزب أنه قوي الشكيمة صلب المراس في قتاله عبر سنوات طويلة ضد الكيان .. حتى إذا ما اغتيل قائده العام ( السيد عباس الموسوي ) مع زوجته وهما في سيارة على الطريق من قبل الكيان منتصف ثمانينيات القرن الماضي .. برز نجم قائد آخر أثبتت الأحداث أنه الندّ القويّ للكيان باعتراف الخصوم قبل الأصدقاء .. إنه السيد حسن نصر الله .
إلا أن مشكلة حزب الله أنه يعمل في بيئة كارهة له ولأسباب طائفية بالدرجة الأولى .. فهو حين يصاب يفرح العرب ويشمتون فيه .. وحين ينتصر يتألم العرب .. كما حصل بعد هزيمة الكيان المخزية وهروبه من جنوب لبنان الذي احتله لأكثر من عقدين .. إنهم يتمنون هزيمة حزب الله بأي شكل ويسلطون لجانهم الإلكترونية من أجل النَيل منه ونشر الإشاعات والأكاذيب حوله .. كما يحصل الآن .. وكأن هذا الحزب يشعرهم بالضعف والذل الذي هم فيه من خلال حكّامهم المنبطحين أمام العدو .
من جانب آخر رأت إيران أن هناك تنظيما ً فلسطينيا ً جديدا ً يتخذ من الإسلام ركنا ً يستند عليه في القتال .. يطلق عليه حركة المقاومة الإسلامية ويختصر باسم حماس .. فما كان منها إلا أن تمد له يد المساعدة والعون تسليحا ً بعد أن تخلى العرب عن قضيتهم المركزية وانتهى بهم الأمر الى التطبيع وصولا ً الى مؤتمر أوسلو وكادت قضية فلسطين أن تصبح في خبر كان .
إن إيران تحارب العم سام وكيانه من خلال أذرعها سواء كانت سنّية أو شيعية على السواء .. ولا تريد القتال هي بنفسها مباشرة . لماذا ؟
هذا ما سأجيب عليه في الحلقة القادمة قبل الأخيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 10 )
لو فتحنا قلب قائد ( محور الخير نتن .. ياهو ) لنعرف أولى أمنياته .. لعلمنا أن أمنيته الأولى هو قيام حرب شاملة بين أمريكا وإيران .. كي يتخلص من كابوسها وتهديدها النووي ومن أذرعها في المنطقة .. و ليخلو له الجو بعد ذلك .
ولكن هناك مشكلة .. هو أنه لا العم سام ولا إيران يريدان الحرب .. لماذا ؟
يتساءل المواطن الإيراني .. ما علاقتنا نحن بفلسطين كي نتحمل فاتورة الحصار والعذاب . إن فلسطين عربية .. والعرب يكرهوننا ويصفوننا بالمجوس والروافض .. ويتمنون لنا الفناء . إنهم يعشقون تركيا والخلافة العثمانية .. وإن تصريحا ً بسيطا ً لأردوغان ضد الكيان يجعل العرب يتمايلون طربا ً ويكتبون فيه قصائد شعر .. بينما ينكرون كل تضحياتنا وما قدمناه لهم من أجل فلسطين .. ثم تلك باكستان النووية وماليزيا واندونيسيا .. كلها دول مسلمة .. فلماذا نتحمل نحن وحدنا وزر الصراع .. فضلا ً عن أن العرب أنفسهم منبطحون للكيان ومطبعون معه .. فما علاقتنا نحن ؟
أظن أن من حق المواطن الإيراني أن يطرح مثل هذه الأسئلة .
ومن هنا يجد النظام نفسه محرجا ً إذا ما دخل في حرب مباشرة .. بل ربما يتعرض لهياج شعبي يزيحه عن الحكم .. إضافة الى ما ستتعرض له الدولة من تدمير شامل .. أما أمريكا فهي أيضا لا تريد حربا ً مباشرة .. فإيران ليست العراق ليتم احتلالها خلال ثلاثة أسابيع فقط .. مساحتها أكبر من مساحة العراق بأربع مرات .. ونفوسها ثلاثة أضعاف نفوس العراق .. فضلا ً عن أن جميع مصالحها في الخليج مع آبار البترول ستتعرض للتدمير .. هذا إضافة الى أن الوضع الأمريكي الداخلي وقرب الانتخابات والانشغال بأوكرانيا كل ذلك لا يسمح لها بعمل حرب مباشرة .
نأسف يا نتن .. ياهو أمنيتك لن تتحقق .. ولم تستطع تحقيقها حتى بإهانة إيران واغتيالك هنية على أرضها في حين كان باستطاعتك اغتياله في الدوحة وبسهولة .
أيها الأخوة ..
لم يبق من هذه السلسلة سوى حلقة واحدة أرد فيها على من يقول .. لماذا وجع الدماغ ودوخة الراس .. إن أمريكا قوية والكيان قوي وكان يجب أن لا نتحرش بهما .. كما سأرد على ( العباقرة ) الذين يرون كل صراعات الأرض على أنها اتفاق وأن حزب الله عميل للكيان .. وإيران عميلة لأمريكا .. وأنا عميل لمارك ههههه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 11 ) والأخيرة
البعض يعتقد أن كلّ صراعات الكون تجري ضمن نظرية الاتفاق .. ومن هنا فإن المتصارعين هم عملاء فيما بينهم ولا صراع حقيقي .
حماس وحزب الله عملاء للكيان ومتفقون معه من أجل ذبح الشعبين الفلسطيني واللبناني .. إيران عملية للكيان والعم سام .. صدام كان متفقا ً مع أمريكا باحتلال الكويت واحتلال العراق ومن ثمّ إعدامه .. ولربما ستالين كان متفقا ً مع هتلر.. ولربما الإمام علي كان متفقا ً مع معاوية في صفين .. ولا نستبعد اتفاق نبيّنا الأعظم مع أبي جهل في معركة بدر .. كما لا أستغرب منهم القول أن إبليس كان متفقا ً مع الله في عدم السجود لآدم . إن هؤلاء ( العباقرة ) لا كلام لنا معهم حيث أن ما يطرحون هو من السخف بحيث لا نتوقف عنده دقيقة واحدة .
إنما نقف طويلا ً مع أولئك الذين يلقون باللوم على حماس وحزب الله في قتالهم للكيان .. فما الذي يجعلهم يقاتلون كيانا ً مدججا ً بأحدث التكنولوجيا العسكرية وتقف وراءه أعتى قوى البطش العالمي مثل أمريكا وحلف الناتو ؟
وأقول لكل من يقول ذلك .. إنك لا ترى أبعد من أرنبة أنفك .. وتختبئ خلف إصبعك يا صديقي . لماذا ؟
هل اطلعت على بروتوكولات بني صه.. يون ؟ هل قرأت أدبيات الكيان وما يطمح اليه ؟ هل قرأت كتاب ( مكان بين الأمم ) لقائد محور الحقد نتن..ياهو .ثم هل أبصرت نجمة داود وهي تتوسط خطّين أزرقين في علَم الكيان وماذا يعني لهم ذلك
إنهم يسعون سعيا ً حثيثا ً لإقامة دولتهم الكبرى التي تمتد من النيل الى الفرات .. ولا يؤخر تحقيق هذا الهدف سوى نفوسهم القليلة . تخيّل يا صديقي لو أن نفوس الكيان الآن مائة وخمسون مليون نسمة أو حتى مائة مليون فقط .. هل تظن أنهم سيكتفون بأرض فلسطين فحسب .. أ لم تسمع ترمب حين قال إن مساحة الكيان باتت صغيرة عليه ؟
إن قتالنا لهم ماهو إلا لعرقلة تحقيق ما يتمنون ولا أقول يمكن لتنظيمات صغيرة مثل حماس وحزب الله القضاء على هذا الطموح .. ولكنهم يسعون الى مقاومته على الأقل . إن الكيان غدة سرطانية تسعى لكي تتمدد تنفيذا ً لما وعدهم به الله حسب ادّعائهم في إقامة إسرا..ئيل الكبرى .. فإن قلت أن هذا الكلام مستقبليّ لنتركه الآن .. أقول وكأنك تدعونا لترك احفادنا يقاتلون أحفاد بنغفير ونتن .. ياهو بعد خمسين سنة .. وكلامك هنا مرفوض جملة ً وتفصيلا .. فهم يفكرون بمائة عام مستقبلية وأنت تفكر بيومك الذي تعيش فيه وحسب .. والفارق هنا كبير جدا .
ختاما ً .. أسأل الله النصر لأهلنا في غزة ولبنان حيث لا أملك لنصرتهم سوى الكلمة والدعاء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك رد