منبر العراق الحر :
في زحام الحياة، حين تتقاذفنا الأيام بين جداول الالتزام ولهاث السرعة، تلوح الصداقة كواحة بعيدة، كنسمة تأتي من زمن لم تقيده الساعات ولا تحده التقاويم.
الصداقة الحقيقية ليست وعدا، بل طمأنينة؛ ليست جدولا، بل لحظة حرة تولد دون دعوة.
ينبغي على الأصدقاء ألا يغادروا الحقل الذي نبتت فيه الأرواح معا، ألا يتناثروا في الجهات كأوراق خريف لا تعود. عليهم أن يبقوا هنا، حيث الدفء ليس في المدفأة بل في النظرات المتبادلة، في الضحك الذي لا يبرر، في الصمت الذي لا يحرج.
الصداقة ليست مناسبة تخطط ولا موعدا يحجز، بل عشوائية مقدسة، كأن تستيقظ صباحا لتجد أحدهم يطرق بابك فقط لأنه اشتاق، أو تتلقى رسالة قصيرة تسأل: قهوة اليوم؟
وكأن كل شيء في هذا العالم مؤجل إلا هذا اللقاء.
الأصدقاء الحقيقيون لا يبتعدون، وإن ابتعدت المسافات. لا يتلاشون، وإن صمتت الهواتف. إنهم يشبهون الوطن؛ لا نحتاج إلى جواز سفر كي نعود إليهم، بل إلى لحظة صدق، إلى فنجان قهوة جميل المذاق، إلى مزحة عابرة في مساءٍ ثقيل
نلتقي لأننا نعرف أن الحياة قصيرة بما يكفي لتسرق منا من نحب، وطويلة بما يكفي لتنتظرنا القهوة حين نتأخر قليلا. نضحك لأن الضحك بين الأصدقاء ليس ترفا بل حاجة وجودية، ونعود إلى منازلنا وكل منا يحمل في صدره وعدا غير منطوق: سنلتقي غدا، أو بعد غد، لكننا لن نضيع.
في زمن العزلة الناعمة، حين تصبح العلاقات نسخة باهتة من حقيقتها، تصبح الصداقة فعلا مقاوما. مقاومة للفراغ، للبرود، للخذلان. مقاومة للركض وراء أشياء لا تُشبهنا. تظل الصداقة الحقيقية هي ما يجعلنا بشرا في زمن يتآكل فيه المعنى.
وفي عالم يعيد تشكيل علاقات البشر على هيئة رموز افتراضية ومكالمات مسروقة، تظل الصداقة الحقيقية فعل مقاومة، تظل لقاء يتحدى النسيان، ويؤمن أن أجمل ما في الحياة… هو أن يبقى الأصدقاء قريبين، بلا مناسبة، بلا مبرر، فقط لأنهم أصدقاء
فلتبقوا، أيها الأصدقاء، بالقرب من القلب، بالقرب من الطاولة الصغيرة التي تنتظر قهوتها، بالقرب من الحنين الذي لا يهدأ. لا ترحلوا، لا تتوزعوا في الجهات الأربع. ابقوا كما كنتم في أول الضحك، في أول المساء، في أول سؤال بسيط نلقيه على بعضنا البعض : متى نلتقي؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر