*القضاء العراقي خط أحمر* …ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…..كاتب وسياسي….
ربما تأخّر الرد على تغريدة المسخ جو ويلسون عضو الكونغرس الأمريكي، غير أن بعض الوقائع لا تسقط بالتقادم، لأن المسألة لا تتعلّق بتصريح عابر أو رأي سياسي ظرفي، بل بخطاب وصاية ممنهج يعكس ذهنية استعمارية كلاسيكية، ما تزال تنظر إلى العراق بوصفه ساحة مفتوحة للتوبيخ والتقويم وفرض المعايير من الخارج، بعيداً عن أي اعتبار لمبدأ السيادة أو لاحترام النظام الدستوري الوطني.
فما يصدر عن ويلسون بحق العراق ومؤسساته لم يعد يندرج في إطار النقد السياسي المشروع أو التعبير الحر عن المواقف، بل بات أقرب إلى خطاب تصعيدي منظم، يقوم على التشويه المتعمّد والتحريض السياسي، ويشي بوجود دور يتجاوز حدود الرأي إلى محاولة التأثير المباشر في مسار الدولة العراقية من خارج أطرها الدستورية.
وتكتسب هذه التصريحات خطورتها من كونها لا تصدر في فراغ، بل تتقاطع مع مساعٍ تقودها أطراف عراقية أخفقت في تحقيق مكاسب داخلية عبر المسار السياسي الطبيعي، فلجأت إلى تدويل خلافاتها، ونقل معركتها إلى الخارج، مستندة إلى أصوات أمريكية مستعدة لتبنّي روايات أحادية تخدم أجندات سياسية لا تمتّ بصلة إلى المصلحة الوطنية العراقية، ولا إلى متطلبات الاستقرار المؤسسي.
إن الإشكالية الجوهرية في هذا الخطاب لا تكمن في حدّته فقط، بل في الهدف الذي يستهدفه. فحين تُوجَّه الاتهامات إلى السلطة القضائية، لا نكون أمام سجال سياسي تقليدي، بل أمام محاولة مقصودة لضرب أحد الأعمدة الدستورية للدولة، وإخضاعه لمنطق الوصاية الخارجية.
فالقضاء، بوصفه سلطة مستقلة وفقاً للدستور، ومفترضاً أن يبقى خارج دائرة الصراعات السياسية، يتحوّل في هذا الخطاب إلى هدف مباشر، بما يعكس سعياً لإعادة رسم صورة الدولة العراقية من خارج مؤسساتها الشرعية، وبمعايير لا تعترف بمبدأ السيادة، ولا بشرعية النظام الدستوري القائم.
إن استهداف القضاء لا يعني استهداف أشخاص أو مناصب بعينها، بل يمثل مساساً خطيراً بأسس الدولة القانونية، ومحاولة لتقويض مبدأ الفصل بين السلطات، وتحويل العدالة من وظيفة سيادية وطنية إلى أداة ضغط خاضعة للإرادة الخارجية. وهو مسار، إن تُرك دون مواجهة سياسية وقانونية واضحة، يفتح الباب أمام إضعاف المنظومة الدستورية برمّتها، ويقوّض مفهوم الدولة ذاتها.
*حين يُستهدف القضاء… تُستهدف الدولة*
إن الهجوم على رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، لا يمكن اختزاله في كونه خلافاً شخصياً أو موقفاً سياسياً عابراً، بل هو استهداف مباشر لركنٍ سياديٍّ من أركان الدولة العراقية. فالقضاء ليس مساحة للمزايدات، ولا ساحة لتصفية الحسابات، ولا موضوعاً قابلاً للتقويم عبر تغريدة أو بيان صادر عن نائبٍ في كونغرس دولة أخرى. القضاء يُقاس باستقلاله، لا برضا الخارج عنه. ويُحاكم بمعاييره الدستورية، لا بأهواء السياسة الدولية.
ومن العبث بل من الوقاحة السياسية أن ينصّب جو ويلسون نفسه حاكَماً او معياراً على نزاهة القضاء العراقي، في وقتٍ تعاني فيه الولايات المتحدة نفسها من أزمات عميقة في ثقة المجتمع بمؤسساتها، ومن انقسامات حادة تطعن في حيادية نظامها القضائي والإعلامي والسياسي. فالدولة التي لم تُحسم فيها حتى اليوم قضايا التدخل في الانتخابات، والتسييس القضائي، والتجاذب المؤسسي، ليست في موقع أخلاقي يتيح لها توزيع شهادات الاستقلال على الآخرين.
أما التهديد بفرض عقوبات على قاضٍ أعلى لأنه لا ينسجم مع رغبات سياسية خارجية، فهو لا يعكس قوة أخلاقية ولا نفوذاً مشروعاً، بل يكشف عن عجزٍ في أدوات التأثير السياسي، وعن محاولة فجة لتعويض هذا العجز بالضغط القسري. والأسوأ من ذلك، أنه يرسّخ سابقة خطيرة مفادها أن القضاء الوطني يمكن إخضاعه لإرادة الخارج، وأن سيادة القانون تصبح رهينة للتوازنات الدولية لا للدستور الوطني.
هنا تتحوّل العقوبات من أداة ضغط سياسي إلى إعلان عداء لمفهوم الدولة ذاته. لأن الدولة تبدأ بالقضاء. وتنتهي عند استقلاله. فحين يُمسّ القضاء، لا يُمسّ شخص، بل تُمسّ السيادة، ويُستهدف جوهر الدولة، ويُفتح الباب لتفريغ القانون من معناه، والوطن من قراره.
*السيادة ليست منّة*
العراق ليس محمية سياسية، ولا دولة تحت الوصاية، وقضاؤه ليس فرعاً تابعاً لأي عاصمة خارج حدوده. إن الدفاع عن مجلس القضاء الأعلى، وعن الموقع الدستوري لرئيسه، لا يمثّل اصطفافاً مع أشخاص، بقدر ما يمثّل دفاعاً عن فكرة الدولة بوصفها كياناً سيادياً قائماً على استقلال السلطات واحترام الدستور.
فحين يُستباح القضاء، لا يُستهدف جهاز إداري فحسب، بل يُقوَّض أحد أعمدة النظام الدستوري. وحين تُمسّ السيادة تحت شعار «الإصلاح» أو «الديمقراطية»، نكون أمام شكلٍ من أشكال الهيمنة المقنّعة، استعمارٍ ناعمٍ يتخفّى خلف لغة الحقوق، لكنه في جوهره يسعى إلى إعادة إنتاج الوصاية على القرار الوطني.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس الصدام المباشر، بل هو تطويع وتطبيع التدخل، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، حتى يصبح المساس بالسيادة أمراً مألوفاً، ويُختزل مفهوم الدولة في هامشٍ من الاستقلال المقيَّد. والسيادة كمفهوم لا تُمنَح، ولا تُستجدى، ولا تُقايَض، بل تُمارَس بوصفها حقاً أصيلاً، وجوهراً لا تقوم الدولة بدونه.

اترك رد