علم النفس… ثورة الوعي التي أنقذت الإنسان…د. كريمة الشامي

منبر العراق الحر :
كم أنا ممتنة اليوم لكمية الوعي التي صارت تتسرّب إلى عقول الناس وقلوبهم بفضل الله، ثم بفضل هذه المساحات المفتوحة التي جمعتنا تحت سقف الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
نعم… من بين ملايين الأصوات والضوضاء، وُلد جيل جديد بدأ يفهم ذاته قبل أن يحاكم غيره، ويدرك أن التغيير لا يبدأ من الأنظمة فقط، بل من الداخل — من النفس.
لِسنواتٍ طويلة، الكثيرون وأنا نكتب ونسعى لتسليط الضوء على أهمية هذا العلم العظيم: علم النفس — ليس باعتباره تخصصًا أكاديميًا فقط، بل طوق نجاةٍ فكريٍّ وروحيٍّ.
علم النفس هو الذي علّمنا أن الألم ليس ضعفًا، وأن الحزن ليس عيبًا، وأن وراء كل سلوك حكاية، ووراء كل انفعال تجربة لم تُفهم بعد.
من خلاله، فهمنا لماذا تتفكك الأسر، ولماذا تنهض الأمم.
هو الذي أيقظ العالم بعد الحروب، وجعل الدول المتقدمة اليوم تبني مدارسها ومؤسساتها على فهم الإنسان قبل إنتاجه.
فألمانيا ما بعد الحرب لم تُبْنَ بالحديد فقط، بل بالتحليل النفسي.
واليابان لم تنهض بالآلات فقط، بل بترميم الذات الجماعية للشعب بعد الهزيمة.
حتى الولايات المتحدة حين أنشأت وكالة الفضاء (NASA) استعانت بعلماء النفس لتدريب روّادها على الصبر، الخوف، والعزلة في الفضاء.
قال سيغموند فرويد: “من لا يملك الوعي، سيظلّ عبدًا لتاريخه دون أن يدري.”
وقال كارل يونغ: “حتى تجعل اللاوعي واعيًا، سيقود حياتك وستسميه القدر.”
واليوم، بفضل هذا العلم، صرنا نقرأ أنفسنا كما نقرأ كتابًا مقدّسًا، نراجع فصوله لا لنمحوها، بل لنفهمها.
أنا مؤمنة أن علم النفس ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وإنسانية.
فالأمة التي تضع علم النفس في مدارسها وجامعاتها ومؤسساتها، تزرع في مواطنيها القدرة على فهم الآخر بدل كرهه، وعلى الإصلاح بدل الانتقام، وعلى البناء بدل الشكوى.
ولعل أجمل ما نعيشه اليوم هو أن كثيرين صاروا يقولون بصوت عالٍ:
“نعم، أحتاج علاجًا نفسيًا.”
“نعم، عندي صدمة وأعمل على شفائها.”
وهذه، بحد ذاتها، ثورة وعي.

اترك رد