منبر العراق الحر :
حادثةُ الإسراء والمعراج ليست مجرّدَ واقعةٍ تاريخيّةٍ عابرة، ولا ذكرى تُستعاد في زمنٍ بعينه، بل هي آيةٌ كبرى من آيات الله،
اختُصّت بزمانٍ ومكانٍ وحكمةٍ، لتبقى رسالةً حيّةً تخاطب وجدان الإنسانيّة في كل عصر، وتفتح للروح آفاقًا من اليقين، وللعقل أبوابًا من التدبّر، وللقلب سُبلًا من السكينة والرجاء.
أنّ اجتماع الأمة على إحياء ذكراه إنما هو تعبيرٌ عن تعظيم المعنى لا تعظيم الزمان لذاته.
وقد جاءت حادثة الإسراء والمعراج في أشدّ مراحل الدعوة قسوةً وألمًا؛ بعد عام الحزن، حين فقد النبي صلى الله عليه وسلم سنديه: خديجةَ رضي الله عنها، وأبا طالب، وبعد أن أُغلقت في وجهه أبواب الأرض، فجاء الفتح من أبواب السماء.
وهنا تتجلّى الحكمة الإلهية: أن العسر إذا بلغ مداه، كان الفرج من حيث لا يحتسب الإنسان، وأن الله إذا ضاقت بك السبل الأرضية، فتح لك أبوابًا سماوية لا تخطر على بال.
جذور الإسراء ومعجزته
الإسراء رحلة الأرض إلى السماء، والمعراج صعود الروح والجسد معًا إلى حضرة العلوّ الإلهي.
كانت معجزةً جامعةً بين خرق قوانين المكان والزمان، وبين تكريم الإنسان المؤمن ببلوغ مقامات القرب.
لم تكن رؤيةً منامية ولا خيالًا رمزيًا، بل معجزةً واقعيةً اختبر بها الله إيمان القلوب، فارتدّ بها المتردّدون، وازداد بها الصادقون يقينًا.
وفي المسجد الأقصى، التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إمامًا، في مشهدٍ يختصر وحدة الرسالات، ويؤكد أن رسالة الإسلام امتدادٌ لنور النبوّات كلها، وأن القدس كانت وستبقى عقدة الرباط بين السماء والأرض.
الحكمة الإلهية للبشرية
من أعظم ما تحمله هذه الحادثة أن الصلاة فُرضت في السماء، لا في الأرض، وكأنها رسالةٌ خالدة بأن الصلة بالله لا تُبنى إلا بالارتقاء الروحي، وأن الصلاة معراج المؤمن اليومي، يخرج بها من ضيق الدنيا إلى سعة الأنس بالله.
كما تؤكد الإسراء والمعراج أن المقاييس المادّية ليست الحكم النهائي على الحقائق، وأن قدرة الله تتجاوز منطق البشر، فلا يُقاس الغيب بقوانين الشهادة، ولا يُحاكم الإيمان بمسطرة العقل المجرد.
الرسالة الإيمانية وتخليدها في النفوس
أن الطريق إلى الله محفوفٌ بالابتلاء، لكن نهايته مشرقةٌ بالكرامة.
وأن الثبات على الحق، وإن طال ليله، لا بد أن يعقبه فجر.
كما تعلّمنا أن الإيمان ليس مجرّد تصديقٍ نظري، بل تسليمٌ قلبيّ حين تعجز العقول عن الإحاطة.
وتخليد الإسراء والمعراج لا يكون بالاحتفال الشكلي، بل بإحياء معانيه في السلوك: بالمواظبة على الصلاة، وبالتحرّر من أسر المادة، وباستحضار أن للإنسان رسالةً أسمى من اللهو والركض خلف الزائل.
علينا أن نتعلّم من الإسراء أن الانكسار بين يدي الله هو بداية الرفعة، وأن الشكوى الصادقة تفتح أبواب العطاء، وأن من صدق مع الله صدق الله معه.
وأن الأقصى أمانة عقائدية لا ذكرى تاريخية، وأن الصلاة ليست عبئًا ثقيلًا، بل هدية سماوية تُعيد ترتيب القلب والعقل والروح.
إن الإسراء والمعراج دعوةٌ دائمة لأن نُسرِي بقلوبنا من ظلمة الغفلة إلى نور اليقين، وأن نُعَرِّج بأرواحنا من أرض الشهوات إلى سماء القيم. هي قصة نبي، لكنها في جوهرها خطابٌ لكل إنسان: إذا أردت القرب، فاثبت، وإذا ضاقت بك الأرض، فارفع بصرك إلى السماء، فهناك تبدأ الحكاية… وهناك لا يخيب الرجاء.
الكاتبة هيفاء البريجاوي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر