لا سلطة للخطاب… بل للمعرفة….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :
شاع في الفكر المعاصر القول بـ«سلطة الخطاب»، حتى غدا الخطاب في ذاته موضع هيبة، وكأنّ طريقة القول قادرة على إنتاج الحقيقة أو منح الشرعية. غير أنّ هذا التصوّر يقوم على خلطٍ جوهري بين المعرفة بوصفها أصلًا وجوديًا، وبين الخطاب بوصفه وسيطًا لغويًا. فالسلطة لا تنبع من الخطاب، أيًّا كان شكله: شعرًا، قصة، رواية، خطبة، أو محاضرة؛ بل تنبع من المعرفة التي يحملها هذا الخطاب. أمّا الخطاب فليس أكثر من أسلوبٍ في نقل المعرفة وتداولها بين الناس.
المعرفة ليست ذوقًا ولا متعةً عابرة، بل هي سلطةٌ وجوديةٌ أنطولوجية، متجذّرة في أصل الذات الإنسانية. إنها ضرورة كينونية تتجلّى في الفضول وحبّ الاستطلاع، وفي اندفاع الإنسان لكشف ما في نفسه وما يحيط به من وجود. ومن ثمّ، فكلّ وساطةٍ للمعرفة لا تُنشئ سلطةً بذاتها، بل تستمد مقبوليتها من سلطة المعرفة نفسها؛ إذ إنّ الوسيط لا يملك إلا القدرة على النقل، بينما السلطة كامنة في المعرفة بوصفها أصلًا سابقًا على اللغة والأسلوب.
غير أنّ هذا التمييز كثيرًا ما يلتبس على المتلقي. فحين يكون الخطاب سلسًا، جذّابًا، أو مشحونًا بالبلاغة، يميل الجمهور إلى إضفاء سلطةٍ على الأسلوب نفسه، لا على المضمون الذي يحمله. هنا يتحوّل القبول الذوقي إلى شرعيةٍ وهمية، ويُستبدل معيار الحقيقة بمعيار الاستساغة. ويمكن تشبيه الخطاب بوسيلة نقلٍ مريحة: الناس تستسيغها لأنها تُسهّل الوصول، لا لأنها تملك قيمةً ذاتية أو سلطةً مستقلة. فالطريق أو المركبة لا تملك سلطة الوجهة، بل تُقاس قيمتها بقدرتها على الإيصال بسلام. كذلك الخطاب؛ لا سلطة له إلا بقدر ما ينقل معرفةً صادقة ومبرَّرة.
هذا الفصل بين الأصل والوسيط يجد جذوره في تاريخ الفلسفة. فقد ميّز أفلاطون بين الحقيقة والرأي، ورأى أن البلاغة قد تُقنع دون أن تُنتج معرفة. وأكّد أرسطو أن قوة البرهان لا تقوم على الصياغة الخطابية، بل على بنية المعرفة وعللها. وفي الفلسفة الحديثة، جعل إيمانويل كانط المعرفة متأسسة على شروط العقل القبلية، بينما تبقى اللغة أداة تعبير لا مصدر شرعية. أمّا مارتن هايدغر، فرأى أن اللغة «بيت الوجود»؛ تكشفه أو تحجبه، لكنها ليست الوجود ذاته ولا مصدر سلطته. وفي اللسانيات، ميّز فردينان دي سوسير بين اللغة كنظام والخطاب كاستعمال، مؤكدًا أن العلامة لا تملك سلطة في ذاتها، بل وظيفة دلالية قابلة للنجاح والفشل.
ومن هذا المنظور، يمكن إعادة النظر نقديًا في أطروحة ميشيل فوكو حول «سلطة الخطاب». فجزءٌ مما يُسمّى سلطةً للخطاب لا ينبع من المعرفة، بل من قابلية الخطاب للاستهلاك الجماهيري، ومن انسجامه مع الذائقة العامة وأنماط التلقي السائدة. هنا يتحوّل الخطاب إلى قناعٍ ناعم للهيمنة، لا إلى أداة للفهم. ويتقاطع هذا النقد مع طرح يورغن هابرماس الذي فرّق بين التواصل القائم على العقلانية والتبرير، وبين الخطاب الذي يُستخدم أداة تأثيرٍ دون سند معرفي؛ فالإجماع الناتج عن الاستساغة ليس حقيقة، بل توافقٌ هشّ قد ينهار عند أول سؤال جاد.
وهنا تجدر الإشارة إلى أننا لا نحطّ من قدر اللغة ولا من أهمية الخطاب، ولا نقلّل من دورهما في بناء الفهم وتداول المعنى؛ فاللغة أداة الكشف، والخطاب شرط التواصل. غير أنّ المقصود هو تحديد موقع السلطة الحقيقي، لا نزع القيمة عن الوسيط. فالوهم ينشأ حين تختلط الوظيفة بالغاية: حين يُظنّ أن الأداة هي المصدر، وأن وسيلة النقل هي صاحبة السلطة. إن الخطاب يؤدي وظيفة الإيصال، أمّا الغاية فهي المعرفة ذاتها. وحين تتداخل الوظيفة مع الغاية، تُنسب السلطة إلى الخطاب خطأً، بينما هي في الأصل سلطة المعرفة. إزالة هذا الالتباس ليست انتقاصًا من اللغة، بل تحريرٌ لها من حملٍ ليس من طبيعتها، وإعادةُ كلّ عنصرٍ إلى مجاله.
وإذا فشلت اللغة في نقل المعرفة أو شوّهتها، فإن المتلقي يسحب عنها شرعية المقبولية، ويُسقط ثقة الوسيط؛ لكنه لا يستطيع أن يسحب شرعية المعرفة نفسها. فالإنسان قادر على رفض الخطاب، لا على إلغاء حاجته إلى المعرفة أو إنكار ضرورتها الوجودية. من هنا نفهم لماذا ينهار خطابٌ ما ويبقى السؤال المعرفي قائمًا، ولماذا تسقط البلاغة وتظل الحقيقة مطلوبة.
خلاصة القول: لا سلطة للخطاب في ذاته؛ السلطة للمعرفة وحدها. أمّا الخطاب فوسيلة نقلٍ تُقاس قيمتها بقدرتها على إيصال المعنى، لا بمدى استساغتها لدى الجمهور. وحين تُستعاد المعرفة إلى مركزها، يعود الخطاب إلى حجمه الطبيعي: وسيطًا لا سلطة، وأداة كشفٍ لا مصدر هيبة.

اترك رد