منبر العراق الحر :
لا تنفصل الأغنية عن شعبها وبيئتها، فهي تعيد بث المسكوت عنه وتشفيره، تُرمّزه وتجعله صالحًا للتداول. وفي مختلف المجتمعات يدور الناس في فلك ثلاثة تابوهات هي: الجنس، والسياسة، والدين.
فكلمة تابو Taboo تعني الممنوع، والمحظور، والمحرم، وقد لا تكتفي القوانين العادية لتحريمه، فيُستعان بالنصوص الدينية المقدسة.
وترتبط التابوهات بعملية ضبط المجتمع وتقنين صراعاته. فلكلّ مجتمع تراتبية تنظم ماهيته وهويته، أعلاها تصور الله وإدارة المؤسسات اللاهوتية، وأي خروج عليها قد يعني الحكم بالردة وقطع الرقبة، فهو أكثر التابوهات قوة وتأثيراً وفتكاً، يليه تابو السياسة لأنه يرتبط بالزعيم الملهم، يليه تابو الجنس باعتباره خطرًا على سلامة (المجتمع) واستمراره..
وكل ما يُقال عن التنوير، والحرية، وما بلغه هذا المجتمع أو ذاك، هو باختصار يشير إلى طريقة المجتمع وموقفه إزاء التابوهات، ومدى التسامح مع التمرد عليها.
من الواضح أن تابو الجنس ما لم يصطدم اصطدامًا قويًا مع الدين والسلطة، فهو قابل للمرور والتساهل معه. بل قد يتم قبوله كمنفذ تسرية، وتنفيس عن القمع الديني والسياسي.
مثلًا كان المجتمع الفيكتوري يوصف بالتشدد الجنسي ظاهريًا، وارتداء النساء أردية كثيرة معقدة، بينما كانت العربدة في الخفاء ولا يتم التعبير عنها تعبيرًا مباشرًا بل عن طريق ما يسمى “لغة الزهور” أو المجاز والاستعارة.
وبما أن الأغنية هي فن، وتعبير عن المجتمع أيضًا، فهي مثل الفيلم، والرواية، تعكس تصور المجتمع لتابوهاته. بل يصعب أن يكون هناك فن، وإبداع عمومًا، ما لم يشتبك معها. وبهذا نذهب إلى ما قدمته روبي في أغنيتها “3 ساعات متواصلة”، وهو ليس جديدًا في اشتباكه مع “تابو الجنس”.

أول ساعة
“أول ساعة هروقك/ تاني ساعة هشوقك/ تالت ساعة هدوقك أزاي قلبي بيعشقك”… ثلاث جمل أو أفعال، تقول المغنية إنها سوف تقوم بها من أجل حبيبها، استنفرت الجمهور العام، ونشط الجهاز الرقابي ـ الرسمي والمجتمعي لاتهامها بأنها جريئة. وهناك من تهكم على طول المدة، لأن الساعات الثلاث مجرد مخيال غير قائم في الواقع، ولا بتناول المنشطات.
وثمة من تهكم لأن روبي ـ ممثلة الصوت الأنثوي هنا ـ ستقوم بكل شيء: “هروقك، هشوقك، هدوقك”، فماذا عن الشريك (السلبي جدًا) المخاطب في الأغنية؟
هنا لا يبعد ما طرحته روبي عما طرحه عادل إمام في فيلمه الشهير “النوم في العسل” 1996، عندما اكتشف رجل المباحث إصابة رجال مصر بوباء العجز الجنسي، ولا شك بأن هذه “الكارثة القومية” تدخل في صميم عمله، المختص بصيانة التابوهات الثلاثة وضمان سلامتها!
ألا يبدو شريك روبي عاجزًا، لا يبدي أي تفاعل معها؟ قد يكون هذا صحيحًا. لكن أيضًا كلامها ودعوتها له كي يفصلا “فاصلة”، “و3 ساعات متواصلة”، توحي بأنه لا بد أن يكون فعّالًا وإلا فلن يستمر، وقد ينتهي الأمر ـ كم تهكم رواد السوشيال ميديا ـ إلى “3 دقايق” حسب أغنية بهاء سلطان!
ذكورة وأنوثة
لماذا قبل الناس تحذير فيلم عادل إمام من “وباء العجز” ورفضوا وتهكموا على تلميح روبي بالوباء نفسه، أو السلبية على الأقل؟ ولماذا لم يعتبرا أن الطول المبالغ فيه مجرد خيال فلكلوري؟
هذا ينقلنا إلى مبدأ الذكورة والأنوثة، فكما هو واضح، فإن التابوهات الثلاثة هي ذكورية بامتياز، مرتهنة بسلطة الرجل وضمان عظمته واستمرار نفوذه، وسلامة قواه الجنسية (لا العقلية). وفيلم “النوم في العسل” يخدم الفحولة الذكورية ويدافع عنها ويستنفر مؤسسات الدولة لإنقاذها.
بينما صوت روبي الأنثوي أعطى لنفسه صلاحية ذكورية، فهي هنا صاحبة المبادرة “تعالى نفصل فاصلة”، وهي التي ترسم الخريطة وتحدد الأفعال الشهوية، حسب طاقتها لا حسب قدرات شريكها. وهذا غير مسموح به.
فلو تساهل المجتمع مع مخيال وطرائف الذكور واستعراض الفحولة، فلا يمكن أبدًا التساهل مع التعبيرات نفسها (كلمات وأفعال ونكات) إذا صدرت عن امرأة.
هناك آلاف السرديات الجنسية الذكورية التي نقبلها كأفعال مرحة، منها مثلًا المشهد الشهير لعمرو عبد الجليل وغادة عبد الرازق وصبري فواز في فيلم “كلمني شكرًا”، وعبارة “جمل يابا الحاج جمل”، كل حوارات المشهد وإيماءاته هي بالغة الابتذال وتنظر إلى المرأة كموضوع جنسي محض، مع ذلك بات المشهد من كلاسيكيات المرح الذكوري ولم يطالب أحد بقمعه ومنعه.
للرجل أن يعبر ونضحك، لكن ليس من حق المرأة أن تعبر عن الرغبة ذاتها، وللرجل أن يستعرض فحولته، لكن ليس من حق المرأة أن تستعرض أنوثتها العابرة للساعات.
لأن استعراض فحولتها يهدد فحولة الرجل مباشرة وينتقص منه، ويظهره لا حول له ولا قوة، يفقده المبادرة، ويمنحها مساحة لا يقبلها المجتمع، لأنها قد تهدد قيم الأسرة، بل تلغي الأسرة نفسها القائمة على قوامة وسيطرة وتلبية رغبات الرجل فقط. وعليه، هو من يحدد المطلوب وليس هي.

مقياس أم كلثوم
فرضت أم كلثوم اسمها وتاريخها مقياسًا للغناء العربي، وللخيال العاطفي والحسي، خصوصًا أن أم كلثوم كانت صوت المجتمع العربي كله، ربما أكثر من فيروز النخبوية نوعًا ما. فالست ليست مجرد مطربة بل حافظة لتقاليد المجتمع، وضوابط السلطة، وتعاليم الله، ومجد غناؤها التابوهات الثلاثة.
فما الفرق بين كلام روبي وما قالته أم كلثوم في أغاني كثيرة مثل “دوق معايا الحب دوق” في “أنت عمري”، “أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب” في “رباعيات الخيام”؟

هذا القياس ينطوي على مغالطتين، الأولى أن ما قدمته من إيحاءات “جنسية” كان مغلفًا في نسق عاطفي، ونسق إبداعي رفيع على مستوى الشعر واللحن والأداء الصوتي والتعبير الجسدي. وإلا اعتبرنا أن كلمات مباشرة وساذجة بكل رداءة السجع مثل أغنية روبي، تتساوى مع شعر “رباعيات الخيام” بكل حمولته الفلسفية والروحانية والعاطفية!
ما قدمته أم كلثوم أو عبد الوهاب أو عبد الحليم، كان ينطلق من معايير إبداعية صارمة، تموضع “الجنس” كغريزة خام في نسق عاطفي من ناحية، وتنجز التسامي الفرويدي من ناحية أخرى. بمعنى أنها لا تكبت الرغبة بل ترتقي بها وتتفهمها وتهذبها. تصعد بالجنس إلى إنسانية الإنسان، ولا تهبط به إلى غريزية الحيوان، تشير بالتلميح لا التصريح. تصوغه بالعاطفة لا بالشهوة.
المغالطة الثانية أن التابو ابن عصره، ويُقاس وفق شروطه وقواعد تنظيمه، فمثلًا في أفلام الخمسينيات والستينيات ـ عربيًا وعالميًا ـ كان هناك قبول واسع للقبلات، والعلاقات الجسدية الحرة، والرقص، والتعري، والبكيني على البحر.. هذه الموجة انحسرت بدرجة كبيرة عالميًا، وقُمعت عربيًا، فأصحبت السينما العربية معقمة ونظيفة من هذا كله. فلو افترضنا أن ما فعلته روبي يشبه ما قالته أم كلثوم.. بالمنطق نفسه لماذا لا يقبل المجتمع أن تعود السينما الآن إلى ما كان في الستينيات من القرن الماضي؟
القصد أن السياق الإبداعي، والمجتمعي، مختلف بين العصرين. وما قدمته روبي لا يمكن قياسه مع ما قدمته أم كلثوم ولا صباح ولا فيروز، لا في مستواه، ولا طبيعة عصره، بل هو ينتمي تاريخيًا إلى غناء العوالم والغوازي، الذي انتشر في معظم البلدان العربية، وكان يرتبط بالمسرات السرية في بيوت الأثرياء، وحفلات الحرملك، وطقوس الزفاف، وملاهى السكارى. أغنيات لا تنطلق من التسامي (كحال أغاني الكبار) بل التحفيز والتدليك وإثارة الرغبات. كانت هذه الأغاني بمثابة تلطيف للعروس وتمهيد لما هي مقبلة عليه بعد الزفاف، وتحفيز للفحولة الذكورية وبث الوعود. ولأنها رغبات قائمة لا يمكن نفيها، ويتم التعبير عنها في أحياز مغلقة نسبيًا مثل الأعراس، كان هناك تساهل كبير معها، أو تشجيع استهلاكها، وطبعها أحيانًا في أسطوانات وشرائط كاسيت، لضمان ربحيتها أيضًا.
ليس في الأمر قمع أو رفض أخلاقي لهذا التوجه الغريزي التحفيزي، فهو دائمًا موجود وضروري، لكن درجة تسامح المجتمع معه تتفاوت. ويجب عدم الخلط بين تجليه الإبداعي المتسامي في أغاني أم كلثوم وفيروز “وليكن ليلنا طويلًا طويلًا” وهبوطه الغريزي “3 ساعات متواصلة”.
فأغنية روبي تنتمي إلى تراث آخر من عينة “ارخي الستارة اللي في ريحنا” و”بعتت خدام يندهلي”، و”الحب دح دح والهجر كُخ كُخ”. فالفرق الثقافي شاسع بين التسامي بالغريزة عاطفيًا وإنسانيًا، وبين إطلاقها وتحفيزها.. بين تصورنا لمفهوم العاشقة ووظيفة المومس.. بين “بلاش تبوسني في عيني” و”بوس الواوا”.
شريف صالح —النهار العربي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر