“حتى لا يصبح السلام لكم سلام عليكم “…. د. هشام عوكل

منبر العراق الحر :

وسط متاهة الصراعات التي تستوطن الشرق الأوسط منذ عقود وتاريخها العريق من الفوضى والفشل، يبدو أن المنطقة باتت كعرض مسرحي عبثي يُخرجه القدر ببراعة ساخرة. هنا، تتحرك الدول والأحزاب والمليشيات على خشبة واحدة، تتصارع على شيء يشبه الوطن . وبينما ينطلق “قطار التطبيع العربي البائس ” المزعوم متخبطاً، تبقى إسرائيل في دورها الأبدي كقوة احتلال، تُمدّ حدودها على جثث الأمل وأطلال الأرض، تتغذى على الفوضى الدولية والتخاذل الجماعي الذي يسمح لها بالاستمرار دون رادع.

 

في هذا المشهد المعقد، تتبدد وعود السلام وقف إطلاق النار والهدن الفارغة كالسراب، حيث يبدو الشرق الأوسط، وكأنه رقعة شطرنج تتحرك عليها البيادق بغير إرادتها، تُباع وتُشترى بينما اللاعبون الكبار يُبقون عيونهم على الكنز الأكبر: استقرار يصب في مصالحهم فقط، وحالة فوضى مستمرة تضمن إبقاء الشعوب في حالة من الذهول والخضوع. وإسرائيل، المستفيدة الأولى، لم تكتفِ بالحدود التي رسمتها منذ النكبة، بل حولت غزة إلى مختبرها الخاص لتجربة كل خططها التوسعية. لم تعد غزة مجرد بقعة جغرافية، بل تحولت إلى مجموعة من الجيوب المعزولة، تُقطّع كما يُصاد السمك في شبكة تُشد يوماً بعد يوم. شمال غزة، وسطها، وجنوبها، كلها أصبحت محاصرة ومقسمة، تفصلها حواجز لم يقررها الجغرافيا، بل قررتها سياسة التوسع الهادئ.

بينما تتبدد أحلام أهل غزة بحياة كريمة، يُلقى على مسامعهم مقترحات “حل الدولتين” التي تكرسها الإدارات الأمريكية المتعاقبة كلما رغبت في تهدئة الشارع العربي. حل الدولتين! وكأن إسرائيل ترسم الحدود بخطوط وهمية تُقنع بها العالم، بينما يُدرك أهل غزة والضفة الغريبة أن دولتهم المقترحة ليست سوى خيال، دولة تحت الأرض، أو دولة تُحلق في السماء مع كل قذيفة تسقط. ليسوا أمام حل سياسي، بل أمام “فصل” جديد من المسرحية العبثية التي تغرق فيها أحلامهم وتختفي.

أما في سوريا ولبنان، حيث الحدود الساخنة والأرض الملغمة، يتأجج الصراع يومياً. الجبهة السورية واللبنانية ليست أقل عبثية، إذ تتعرض هذه الأراضي لدوامة من الاشتباكات التي لا تهدأ، وكأنها مُصممة لتكون ساحة تدريب خصبة للتوسعات الإسرائيلية. في كل مرة يسقط صاروخ وجحيم من القذائف، أو يحدث اغتيال، تبدو وكأنها خطوة أخرى في رحلة طويلة نحو أضعاف ما تبقى من سيادة تلك البلدان. سوريا التي انقسمت على ذاتها، صارت جسداً مفتوحاً تُجرى عليه العمليات اغتيالات والقصف لمقرات المقاومة، بينما يقف اللاعبون الدوليون فوقها يتبارزون بتصريحات جوفاء عن “استقلال الشعب” و”حرية القرار”. إسرائيل من جانبها، لا تُخفي طموحها التوسعي، تُلقي صواريخها على من تشاء، وتقتحم الأراضي متى تشاء، كل ذلك وسط صمت دولي.

أما لبنان، هذا البلد الصغير المحاصر من الجهات جميعها، فهو يعيش حالة من النزيف الدائم. وسط الأزمات الاقتصادية والسياسية الطاحنة، لا يكاد يمر يوم دون أن يُذكر فيه اسم إسرائيل في نشرة الأخبار، سواء بقصف أو تهديد أو اغتيال، وكأنها فرضت نفسها ضيفاً ثقيلاً لا ينوي المغادرة. في كل مرة تُفتح فيها جبهة الجنوب، تُصيب اللعنة باقي البلاد، إذ تتدهور الأوضاع أكثر، وتتسع دوامة الفقر والحرمان. وهنا، يؤدي السياسيون اللبنانيون دور المتفرجين في المسرحية ذاتها، فإما هم عاجزون أو متهربون من المواجهة، يتركون شعبهم بين فكّي الموت والحرمان، بينما تستمر إسرائيل في توسيع نفوذها بحذر وهدوء، دون اعتراض يُذكر.

وأما عن الولايات المتحدة، وجودها في هذا المسرح الكبير لم يعد لغزاً؛ فهي تتدخل متى شاءت، لكنها أبداً لا تحاول إيجاد حل حقيقي. تكتفي بتوزيع بيانات الدعم حيناً وبالتدخل المحدود حيناً آخر، وكأنها تُنقذ الموقف حين تُعكر المزاجات السياسية قليلاً، لكنها تبقى المشهد على ما هو عليه، مسرحية مستمرة من التوتر والصراع، حيث تتقاطع المصالح، وتتلاشى المبادئ.كتحسين مزاج الجماهير أو رفع نسبة مشاهداتها الدولية.

هكذا يمضي الشرق الأوسط، غارقاً في كوميديا سوداء لا تنتهي، تُباع فيها الأحلام على الشاشات، بينما تُحاك الحقيقة في أروقة السياسة. وما على الشعوب إلا أن تبقى في مقاعدها، تشاهد وتصفق حيناً، وتبكي حيناً آخر، بينما يستمر العرض الذي لا نعرف متى يُسدل عليه الستار

، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي

اترك رد