*تنظيم الفوضى الإعلامية في العراق* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي…
في كل مرة تُتخذ فيها إجراءات لتنظيم المشهد الإعلامي في العراق، ترتفع أصوات الفوضويين والمبتزين تتهم الدولة بمحاربة حرية التعبير، وكأن العراق هو الدولة الوحيدة في العالم التي تضع ضوابط قانونية للإعلام أو المنصات الرقمية. هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن حرية التعبير في كل دول العالم مرتبطة بالمسؤولية القانونية والأخلاقية، وليست مرادفاً للفوضى أو التحريض أو الإساءة للمجتمع.
ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، توجد قوانين صارمة لمواجهة خطاب الكراهية ونشر المعلومات المضللة أو ما يُعد تهديداً للأمن القومي، وقد تصل العقوبات إلى السجن والغرامات المالية. وفي الإمارات العربية المتحدة، تعاقب القوانين بصرامة كل من يستخدم وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية للإساءة إلى المجتمع أو نشر أخبار كاذبة أو إثارة الفتنة. كما أن الأردن يملك منظومة قانونية واضحة في مجال الجرائم الإلكترونية تجرّم نشر المعلومات المضللة أو الإساءة للمعتقدات أو التحريض على الفوضى. بل حتى الكيان الإسرائيلي نفسه يراقب منشورات الصحفيين والمدونين ويلاحق قضائياً من يرى أنهم يهددون الأمن القومي أو يعبثون بالجبهة الداخلية.
وعند المقارنة مع هذه التجارب، يبدو أن الإجراءات التنظيمية في العراق أقل قسوة بكثير، إذ غالباً ما تقتصر على الحجب المؤقت أو المنع من الظهور لفترة زمنية محددة أو توجيه الإنذارات القانونية، وهي إجراءات تنظيمية تهدف إلى ضبط الخطاب الإعلامي ومنع الانفلات، وليس إلى خنق حرية التعبير.
لكن المشكلة الحقيقية التي يتجاهلها بعض المنتقدين هي أن جزءاً من الفوضى الإعلامية في العراق لم يعد مجرد نقد سياسي مشروع، بل تحول في كثير من الأحيان إلى إساءات صريحة وفوضى أخلاقية ومهنية. فقد شهدت الساحة الإعلامية خلال السنوات الأخيرة تجاوزات خطيرة من قبل بعض المحللين أو الناشطين الذين فقدوا الضوابط الأخلاقية والمهنية في النقد السياسي، وانحدر خطابهم إلى مستوى الشتائم والسب الشخصي بحق شخصيات سياسية لها حضورها السياسي والاجتماعي، وهو سلوك لا علاقة له بحرية التعبير أو النقد الموضوعي.
بل إن الأمر تجاوز ذلك أحياناً إلى التجاوز على المقامات الدينية والرموز العقائدية، بل وحتى الإساءة إلى الذات الإلهية أو اتهام معتقدات المجتمع بالبدع والانحراف بطريقة استفزازية تمسّ السلم الاجتماعي وتثير الاحتقان بين مكونات المجتمع.
وفي حالات أخرى، لم يتوقف الأمر عند حدود الإساءة اللفظية أو الطائفية، بل وصل إلى التحريض العلني على النظام السياسي والدعوة إلى الانتقام أو التهديد بالثأر، بل والتلميح إلى التآمر مع جهات خارجية أو الارتباط بفصائل إرهابية عابرة للحدود، وهي ممارسات لا يمكن لأي دولة في العالم أن تقبل بها تحت عنوان حرية التعبير.
إن الدولة التي تترك فضاءها الإعلامي بلا ضوابط قانونية لا تحمي الحرية، بل تفتح الباب أمام التضليل والفوضى والحروب النفسية والصراعات الاجتماعية. ولذلك فإن معظم الدول الديمقراطية وضعت منظومات قانونية واضحة لضبط الخطاب الإعلامي، ليس لإسكات الآراء المختلفة، بل لحماية المجتمع من خطاب الكراهية والتحريض والتضليل.
ومن هنا، فإن تنظيم الفضاء الإعلامي في العراق ليس استثناءً ولا خروجاً عن الديمقراطية، بل هو جزء طبيعي من إدارة المجال العام في دولة تواجه تحديات أمنية وسياسية وإقليمية معقدة. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني أن يتحول الإعلام إلى ساحة مفتوحة للفوضى والشتائم والتحريض، بل تعني وجود قانون يوازن بين الحرية والمسؤولية.
وبينما تتخذ كثير من الدول إجراءات صارمة تصل إلى السجن والغرامات الثقيلة، فإن العراق ما زال يعتمد إجراءات تنظيمية أقل حدّة تقوم على التنبيه أو الحجب المؤقت أو المنع المؤقت من الظهور، وهي إجراءات تهدف إلى إعادة الانضباط إلى المشهد الإعلامي دون مصادرة حرية الرأي.
لهذا فإن النقاش الحقيقي يجب ألا يكون حول وجود القانون من عدمه، بل حول كيف يمكن تطوير منظومة إعلامية مسؤولة تحمي حرية التعبير من جهة، وتحمي المجتمع والدولة من الفوضى والتضليل والتحريض من جهة أخرى. لأن الإعلام حين يفقد ضوابطه المهنية والأخلاقية لا يعود أداة للتنوير، بل يتحول إلى أداة للفوضى والانقسام والتلاعب بالعقول.
أما العراق، فرغم كل التحديات السياسية والأمنية التي يواجهها، ما يزال يتعامل مع هذه الملفات ضمن إطار قانوني أقل قسوة من كثير من الدول التي يُشاد بها المنتقدون للنظام السياسي والى هيئة الاعلام والاتصالات في العراق صباح مساء.
لهذا، فإن المشكلة ليست في وجود القانون… بل في أن بعض الأصوات لا تريد قانوناً أصلاً، لأنها اعتادت العمل في مساحة الفوضى لا مساحة المسؤولية.

اترك رد