الخلود المستعار: بين التحول الرقمي والواقع المظلم…منى العساسي

منبر العراق الحر :
منذ أن بدأ الإنسان يعي هشاشته، حمل داخله هاجسًا لا يفارقه: كيف يترك أثرًا يتجاوز فناؤه..كانت الأسطورة والفن والكتابة أولى محاولاته لصياغة خلود رمزي. ومع ظهور المنصات الرقمية، بدا وكأنها تمنحه أبدية مشروطة بوميض اللحظة، بقدر ما يحصده من انتباه عابر.
لم تعد النزعة مقتصرة على البقاء الجسدي أو الامتداد عبر الأبناء، بل اتخذت صورًا أكثر تعقيدًا. صار المبدع يعيش حصارًا مضاعفًا: آليات خفية تتحكم في من يطل على المشهد ومن يمحى، وقلق داخلي أشد وطأة يتمثل في رغبته الجامحة في أن يظل حاضرًا، منظورًا، مسموعًا. كأن وجوده لا يتأكد إلا عبر أعين الآخرين.
في هذا السياق يتحول الصمت الافتراضي إلى موت صغير: كل تجاهل أشبه بمحو، وكل غياب عن الشاشة يعيد إلى السطح رعبًا قديمًا من أن يدفن حيًا في ذاكرة النسيان. وعلى أرض الواقع، تتجلى المأساة عبر آليات التعتيم والتهميش، التي تقصيه عن الضوء لصالح وجوه مصطنعة ونجوم مفصلين.
هنا يطل البعد المأساوي عند زوسكيند في عمليْه العطر والكونترباص كتفكيك دقيق لجوهر الوجود الإنساني. ففي العطر، تتجسد المأساة في عجز البطل عن التعايش مع فكرة ألا يرى، كأن الغياب عن أنظار الآخرين يلغي مبرر وجوده، فيدفعه ذلك إلى القتل كوسيلة يائسة لانتزاع اعتراف بحضوره. أما في الكونترباص، فإنه يكشف الوجه الأكثر قسوة للهاجس نفسه: إذ تتجلى العقوبة القصوى للإنسان في أن يترك في العتمة، فتغدو اللامرئية عقوبة أنطولوجية لا تقل فداحة عن الفناء.
هذه الرغبة التي قد تبدو بريئة في ظاهرها تتحول، حين تتضخم، إلى قوة عمياء قادرة على ارتكاب انتهاكات جسيمة، معنوية وأخلاقية ومادية. والنزعة الرقمية المعاصرة ليست بعيدة عن هذا المصير، فهي تدفع البعض إلى إسكات غيرهم، أو الاستيلاء على منجزاتهم، أو دفعهم نحو الانسحاب وتدمير الذات كي يظلوا ظاهرين للحظة إضافية. غير أن ما تقدمه المنصات في النهاية ليس خلودًا، بل قناع حضور سريع التبخر: يشبع الحاجة بجرعة فورية من الانتباه، ثم يترك وراءه فراغًا أعمق.
ومع ذلك، يبقى للمعادلة وجه آخر. فوسائل التواصل، رغم ما تفرضه من عزلة، أصبحت أيضًا وسيلة لكسر الحصار الذي يفرضه الواقع بتعقيداته وحساباته. إنها نافذة يطل منها المبدع ليصل إلى قارئ لم يكن ممكنًا بلوغه من قبل. في فضائها، يتخطى النص أسوار السلطة والوسائط التقليدية، ويستعيد حقه في مخاطبة العالم مباشرة.
هكذا تغدو المنصات الرقمية ساحة مزدوجة: تغذي الوهم وتستدرج النزعة إلى سباق مرهق على البقاء في الذاكرة، لكنها تمنح في الوقت ذاته فرصة نادرة لإسماع صوت لم يكن مسموعًا. وبين هذين الحدين يتقرر المصير: إما أن يذوب الإنسان في وهم الوجود اللحظي، أو يترك أثرًا يتجاوز الآن، ليكتب نفسه في سجل البقاء الحقيقي.

اترك رد