منبر العراق الحر :
لم أكن أبحث عن المعنى
حين التقيتُكِ
كنتُ أظنّ أن المعاني
أشياء تُقرأ في الكتب
أو تُحفظ في الذاكرة
بل بوصفها حضورًا
يتجسّد أمامي…
كنتُ أعيش أيّامي
كما يعيش النهر
بين ضفّتين
يعرف الطريق
لكنّه لا يعرف
لماذا يسير…
حتى جئتِ
فاضطرب الاتجاه
وتعلّمتُ أن بعض اللقاءات
تُغيّر الجغرافيا
الداخليّة للإنسان…
في حضورك
لم تكن الأشياء كما هي
الوقت كان أبطأ
كأنّه يتعلّم المشي من جديد
والصوت حين يخرج منك
لا يصل إلى أذني
بل يسبقها إلى القلب
ويجلس هناك
كضيف يعرف المكان…
كنتِ تشبهين الصباح
ليس لأنكِ مضيئة
بل لأنكِ توقظين
ما ظننته نام إلى الأبد
تشبهين نافذة
فُتحت فجأة
في غرفة اعتدتُ عتمتها
حتى نسيتُ
أن للضوء شكلاً…
كلما نظرتُ إليكِ
شعرتُ أنني أتعلم الرؤية
أن العين ليست
عضوًا فقط بل تجربة
وأن بعض الوجوه
لا تُرى بل تُفهم ببطء
كما تُفهم القصائد العميقة…
لم يكن الإعجاب صاعقة
كان مطرًا هادئًا
بدأ خفيفًا
ثم تسرّب دون استئذان
إلى تفاصيل يومي وصمتي
إلى طريقتي في التفكير
حين أكون وحدي…
صرتُ أراكِ في الأشياء
التي لا علاقة لها بكِ
في الطرقات
والأغاني القديمة
والمقاعد الفارغة
التي احتفظت
بشكل الجالسين…
كأن حضورك
صار مرجعًا خفيًا
أقيس به العالم
كنتِ سؤالًا
لم أرد له إجابة
كنتِ شعورًا
لا أبحث له عن اسم
فبعض الأحاسيس تفسد
حين نحاول تعريفها…
وحين تتكلمين
لا أسمع الكلمات فقط
أسمع ما خلفها
ذلك الصدق الخفيف
الذي لا يُدرَّس ولا يُمثَّل
ويصل دائمًا
في وقته الصحيح
والحب صار عندي
أكثر حياة وشجاعة
في آنٍ واحد…
أدركتُ أن القرب
ليس مسافة
وأن الغياب
قد يكون حاضرًا
حتى ونحن متجاوران
لكن وجودك
كان امتلاءً
لا يترك فراغًا
للأسئلة المؤلمة…
لو غبتِ
لن أقول إنني فقدتكِ
سأقول إنني تعلّمتُ معكِ
كيف يشعر الإنسان
حين يكون قلبه
في حالة إصغاء…
أنتِ لستِ وعدًا
ولا حلماً مؤجلاً
أنتِ لحظة
صادقة حدثت
وتركت أثرها
وهذا يكفي
كي أكتبكِ
دون خوف
ودون مبالغة…
فبعض الناس
لا نحبهم لأنهم بقوا
بل لأنهم مرّوا
وغيّروا فينا شيئًا
لن يعود كما كان…
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر