منبر العراق الحر :
أمام أعين العالم، وفي قلب القرن الحادي والعشرين، ترتكب مجازر منظمة بحق الشعب الكوردي، لا في الخفاء بل على مرأى الكاميرات، وتحت سمع وبصر المنصات الرقمية؛ مشاهد الذبح، والتشويه، والتمثيل بالجثث، والجلوس على الأجساد بوصفها غ،نائم نصر، لم تعد استثناء صادما، بل طقسا متكررا يعاد إنتاجه بوعي.؛الخطاب المرافق لهذه الجرائم يدعي أنه -جهاد-، و-تطبيق للشرع-، وقتال للملاحدة -. غير أن أي نقد جذري لا يمكن أن يبدأ من هذه اللغة، بل من تفكيكها وكشف جوهرها الحقيقي؛ ما يحدث ليس تدينا، بل استمرار معاصر لمنطق الغزو القبلي القديم، وقد ألبس هذه المرة ثوب الدين.
ولا يحتاج المرء اليوم إلى تقارير حقوقية معقدة ليدرك فظاعة ما يجري؛ فمواقع التواصل الاجتماعي نفسها تحولت إلى ساحة علنية لعرض الطقوس الوحشية؛ لحى مقززة تدوس على رؤوس نساء كورديات جريحات، واسيرات يقتلن واجسادهن تهان، وفتيات يغتصبن كـ “غنائم حرب”، وجثث تقطع وتشوه وتلقى من البنايات في مشاهد يقدمها الجلادون على انها انتصارات ايمانية؛ هذه الصور ليست حوادث عابرة، بل هي العرض البصري الصارخ للبنية ذاتها التي حولت الدين الى غطاء للهمجية القبلية.؛جسد الكوردي، وخاصة جسد المرأة الكوردية، اصبح في هذه المعادلة مجرد رمز يهان كي تثبت الالة التكفيرية هيمنتها المطلقة، في حلقة مفرغة من العنف الطقوسي الذي يبدأ باستحلال الدم وينتهي باستحلال الكرامة الانسانية ذاتها.
ولا يمكن فهم هذا العنف بوصفه أفعالا معزولة تقوم بها جماعات هامشية خارجة عن السياق؛ ما يجري ضد الكورد في سوريا، على يد عصابات الجولاني ومن يدور في فلكها، جزء من شبكة مصالح إقليمية أوسع، تستثمر فيها -القداسة- بوصفها سلعة سياسية.؛هنا يتحول الخطاب الجهادي إلى أداة لإعادة رسم الخرائط، والضغط على الكيانات الكوردية الصاعدة، وضبط موازين النفوذ؛ العقيدة لا تستخدم بوصفها إيمانا، بل غطاء لسياقات جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها حسابات الأنظمة، والحدود، والمشاريع المؤجلة.
إن الذاكرة الجماعية التي تقدم “الحملات العربية” الإسلامية بوصفها مسارا خالصا من النور والهداية، تتجاهل عمدا جانبا مظلما لا يمكن إنكاره؛ فقد شكل جزء كبير من تلك الحملات إعادة إنتاج واضحة لطقوس ما قبل الإسلام؛ استعراض الغلبة عبر إذلال المهزوم، تحويل الجسد إلى مسرح للعقاب الرمزي، وفرض الإتاوة بوصفها علامة خضوع دائم؛ الفارق لم يكن في البنية، بل في اللغة؛ الممارسات القبلية ذاتها تسلحت لاحقا بنصوص دينية جردت من بعدها الأخلاقي، وحولت إلى رخص للقتل؛ هكذا صار السلب غنيمة، والإبادة “فتحا”، والتمثيل بالجسد تطبيقا للحد.
اليوم، لا يختلف ما تمارسه قوى التكفير ضد الكورد في سوريا والعراق عن هذه الآلية القديمة، سوى في الأدوات التقنية وحداثة الوسائط؛ إنها بنية ذهنية مخزونة في الذاكرة، تعتقد أنها الوريث الشرعي لأولئك المحتلين الاوائل؛ من هذا الوهم تستعاد الطقوس ذاتها؛ يبدأ الأمر بتجريد الكوردي من إنسانيته، بتحويله إلى “كافر” أو “مرتد ملحد” ، بحيث يصبح قتله فعلا مباحا، بل مطلوبا؛ ثم يتحول العنف نفسه إلى طقس مرئي، يصور ويبث ويقدم بوصفه “شهادة إيمان”، في إحياء فج لطقس استعراض الجثث القبلي، ولكن بلغة لاهوتية؛ وفي النهاية، يظهر الهدف الحقيقي؛ السبي، والاغتصاب،والتهجير القسري، والاستيلاء على الأرض والممتلكات، تحت شعارات -دار الكفر- و- تخليص الأرض-، أي إعادة إنتاج منطق وراثة الأرض بالقوة، كما فعل سابقا حين وصفت مدن بأكملها بأنها ديار كفر مباحة.
المشكلة الجوهرية، إذن، لا تكمن في وجود نصوص تاريخية قابلة للتأويل العنيف، فهذه موجودة في كل التراثات الدينية دون استثناء، بل في بنية ذهنية انتقائية تبحث دائما عن أسوأ التأويلات وأكثرها وحشية، وتتغافل عن كل ما في التراث من قيم الرحمة والعدل والتعايش؛ إنها عقلية لا تعود إلى الماضي للفهم، بل للتسليح؛ لا للتأمل، بل للترخيص؛ الماضي هنا يتحول إلى مخزن شرعنة لجرائم الحاضر.
من هنا، فإن أي خطاب أخلاقي سطحي، أو نداء إنساني عام، لا يكفي لمواجهة ما يحدث؛ المطلوب قطيعة أخلاقية–تاريخية صريحة مع هذه البنية الفكرية نفسها، تلك التي تجعل من الهوية الدينية أو القومية سيفا مسلطا على رقاب الآخرين، يجب تفكيك أسطورة أن لأبناء الملة أو القبيلة، حقا إلهيا في الهيمنة أو الإبادة، وأن القتل يمكن أن يكون فعل طاعة.
الخلاصة المؤلمة أن الدين، ما دام يستخدم أداة في مشاريع التوسع القبلي–السياسي، سيظل “الحق الإلهي” غطاء رخيصا لجرائم ترتكب كل يوم باسم الجنة، بينما تناقض في جوهرها كل قيمة إنسانية وأخلاقية حقيقية؛ الدم الكوردي المسفوك اليوم ليس حادثا عابرا، بل الثمن البشري المعاصر لبنية قديمة لم نجرؤ بعد على هزيمتها فكريا وأخلاقيا؛ إن إنقاذ الارض، وأي معنى صادق للإنسانية، يبدأ من هذه القطيعة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر